تأملات روحية

الحب الإلهي في سفر نشيد الأناشيد بقراءة روحية

الحب الإلهي في سفر نشيد الأناشيد بقراءة روحية

مقدمة:

سفر نشيد الأناشيد كتابٌ فريد. فهو على ظاهره مجموعة من أشعار الغزل الإيروتيكي(الجنسي) موضوعة في قالب صورة علاقة حبّ سامية بين رجل وامرأة. النص مشحون بالصور الإيروتيكيّة ذات البعد الإنسانوي الراقي، وليس البهيميّ الماديّ. هذا ما يجعل القارئ يتساءل كيف وجد هذا السفر طريقه إلى قانون الأسفار المقدّسة العبري. ولكنّ المعاني الروحيّة والدلالات اللاهوتيّة التي طُوّعت إليها هذه الصور في التقليدين اليهودي والمسيحي كفيلة بإزالة كلّ التساؤلات.

نعلمُ من تاريخ الأديان في الشرق الأدنى القديم بأنّ الشعر الإيروتيكي كان شعرًا مقدّسًا يُرتّل في الاحتفالات الدينيّة في الشرق الأدنى القديم، وبه يُشيد العابد بقوّة الحبّ الإخصابيّ الإلهيّ محاولاً استجلابه إلى شخصه، إلى عائلته، إلى قبيلته، إلى بهائمه، وإلى حقوله منذ البداية استدرك المحرّر(الكاتب) اللغط الذي قد يقع فيه القارئ، فاستخدم في العنوان عبارة ” شير هشّريم” في صيغة أفعال التفضيل. وعبارة شير تعني أنشودة أو نشيد، ويُستخدم هذا النشيد في الاحتفالات الدينيّة والمدنيّة.

الحب الإلهي في سفر نشيد الأناشيد بقراءة روحية

الحب الإلهي في سفر نشيد الأناشيد بقراءة روحية

فهذا النشيد هو أعظم الأناشيد قاطبة، بل هو النشيد الحقيقيّ وغيره قد لا يكون. والحبيب في النشيد هو الحبيب الحقيقيّ الذي هو الله وغيره لن يكون. والحبيبة هي إسرائيل، وعلاقتهما عهدٌ مقدّس قطعه الله مع شعبه، وليس لهذا الحبّ نهاية حتّى يُتمّم ثمرته. إنّ بين النظريّات التي طرحها العلماء حول الشكل الأدبي لسفر الأناشيد نظريّةٌ أتبناها تقول بأنّه مجموعة أناشيد غنائيّة تدور حول علاقة حبّ بين رجل هو ظاهريًّا سليمان حيث يظهر في النص كملكٍ وراعٍ، وفتاة تظهر أحيانًا كناطورة الكروم وراعية، وقد دعيت أحيانًا بالشولميّة، وهي مؤنّث شلومو.

وينقلنا السفر إلى عالم علويّ راقٍ حيث نجد الحبيبين يغنّيان الحبّ. ويبدو أنّ جامع هذه الباقة من الأشعار الغنائيّة قصد بعمله هذا استحضار صورة الحبّ الصافي بين رجلٍ وامرأة مبيّنًا قوّته وعمقه وصوفيّته وقربه، بل ملامسته لعالم الآلهة؛ ثمّ إنّ استجلاب هذه المجموعة الشعريّة إلى إسرائيل يهدف دون شكّ إلى استخدامها لتحمل صورة العهد الذي قطعه يهوه مع إسرائيل؛ ثمّ انتقلت الصورة من اسرائيل إلى الكنيسة لتكون مع المسيح والكنيسة، وهذا بالضبط ما أريد بشكل خاص أن ألقي الضوء عليه في هذه المقالة.

 

القسم الأوّل: الحبّ الإنسانوي في سفر النشيد

يحتوي السفر إذًا على مجموعة من أشعار الحبّ وضعها جامعها في إطار قصّة حبّ بين رجل وامرأة. والقصّة ليست روائيّة، بل هي تصوير شعريّ لعلاقة حبّ تنتقل مشاهدها بين المخدع الزوجيّ، وساحات المدينة وطرقاتها وكروم الضيعة وبساتينها. أشعار النشيد مشحونة بالصور الإيروتيكيّة الظاهرة والمبطّنة؛ فالكاتب يستفيض في وصف الجسد، ويُرسل تلميحات مبطّنة إلى العلاقات الجنسيّة بلغة استعاريّة؛ فهناك مشاهد تصف علاقات جنسيّة كاملة وضعها الكاتب بصورة مختصرة جدًّا وبشكل مبطّن.

لاحظ عدد من العلماء بأنّ النشيد يُظهر مشابهات شعر الغزل في الشرق الأدنى القديم، وخاصّة مع نصوص ايروتيكيّة من سومر، والشعر المصري في حقبة الرعامسة. وكما استعار كتّاب التوراة قصصًا ميثولوجيّة وملحميّة وتشريعيّة من تراث بلاد الرافدين القديم، وقرأوها بأبعاد توحيديّة جديدة، يبدو أنّ الأمر نفسه حدث بالنسبة لسفر نشيد الأناشيد الذي هو رائعة أدبيّة من الأدب السامي القديم، قُرئت ببعد لاهوتيّ جديد وضُمّت إلى القانون.

إنّ الطابع الجسديّ لسفر النشيد يمنح مادّته الشعريّة كلّ إنسانويّتها، فهو لا يركّز فقط على الطابع الماديّ الإيروتيكيّ، بل يتعدّاه إلى وصف شعور الإنسان الذي يصاحب عادة هذه الإيروتيكيّة الجسديّة لكي يضفيَ على الشعر طابعه الجماليّ وإحساسه الإنسانويّ الوجوديّ. فالإنسان الذي يتمتع بخليقة الله وضمن أطرها الإلهيّة يرتقي بانسانويّته إلى عالم الألوهة ولو للحظات.

الحب الإلهي في سفر نشيد الأناشيد بقراءة روحية

القسم الثاني: الإنتقال من حبّ إنسانويّ إلى حبّ إلهيّ:

كان لا بدّ من انتهاج تفسير روحيّ لسفر النشيد مبنيّ على الاستعارة والرمزيّة لكي يتمكّن السفر من فتح طريقه إلى قانون الكتاب المقدّس. وإذا طُلب منّا أن نؤرّخ السفر، فإنّ الآية الرابعة من الفصل السادس، يمكن أن تضع لنا تاريخًا له. تقول الآية:” أنت جميلة يا حبيبتي، مثل ترصة حسنة، وكأورشليم مرهبة، وكجيش برايات” فالشولميّة مشبّهة بطرسة وبأورشليم، وهما عاصمتا المملكتين الشماليّة والجنوبيّة.

أصبحت طرسة عاصمة المملكة الشماليّة في عهد الملك يربعام، وبقيت العاصمة حتّى عهد عمري: أي من سنة 975 إلى 924. ثمّ سنة 923 بنى عمري مدينة السامرة ونقل العاصمة إليها تاركا طرسة لتصير في طيّ النسيان.

الحب الإلهي في سفر نشيد الأناشيد بقراءة روحية
وإذا فكرنا كيف وجد السفر طريقه إلى القانونيّة، فليس من المعقول أنّ السفر مجموعًا بين ليلة وضحاها أصبح قانونيًا: نعود إلى فترة يُربعام وعمري، فحين كانت الديانة الإسرائيليّة القديمة، وخاصّة في المملكة الشماليّة خليطًا من المفاهيم التوحيديّة اليهوهيّة، والعادات والتقاليد الكنعانيّة؛ فكانت دون شكّ بعض أشعار هذه المجموعة، إذا لم يكن كلّها تستعمل في طقوسٍ دينيّة كانت تُمارس في معابد آلهة الخصب.

ومعلوم أنّ الخصب وما يحيط سمة من السمات الرئيسيّة في ديانات الشرق الأدنى القديم، ثمّ دخلت في الحياة الدينيّة الإسرائيليّة كغيرها من الممارسات الكنعانيّة، بعد أن أعيدت قراءتها، وكُيّفت لتناسب النوع التوحيديّ الذي كان الإسرائيليّون يدينون به: وهو توحيدٌ بدائيّ مشوب بكثير من العادات الكنعانيّة القديمة.

وعندما وُضع موضوع القانونيّة للسفر على بساط البحث، كان هذا السفر في قلب الممارسة اليهوديّة في كثير من الأوساط، وإلاّ لما كانت إمكانيّة طرح ومناقشة قانونيّته. وكان من الطبيعي أن يُلقى معارضة من بعض اليهود المحافظين. لكنّ صورة علاقة إسرائيل بيهوه التي تنمّ عن رمزيّة لعلاقة زوجين حقيقيّين، والتي كانت متوفّرة في كتابات الأنبياء وأهمها سفر ارميا وهوشع مهّدت لكي يلاقي السفر قبولاً في القانون.

وتأسيسًا على القانون العبري، قُبل السفر في القانون المسيحي من دون صعوبة تُذكر، خاصّة وأنّ صورة المسيح والكنيسة كزوج وزوجة متوفّرة في الكتابات البوليسية وفي سفر الرؤيا والتي هي إعادة نتاج صورة إسرائيل ويهوه.

ثالثًا: الحبّ الإلهيّ في سفر النشيد:

سفر النشيد هو سفرٌ قانونيّ في لائحة الكتب المقدّسة اليهوديّة والمسيحيّة، وتُبرّر قانونيّته في أنّه استعارة لمعاني سامية، ولا يُخفى على أحد أنّ قراءته في التقليدين تتجاوز المعنى الحرفيّ أو الأدبيّ الدنيويّ لتتعدّاه إلى معانٍ ودلالات لاهوتيّة وصوفيّة. أمّا الشكل الأدبيّ فما هو إلاّ استعارة تحمل أوجه متعدّدة وهي:

الحب الإلهي في سفر نشيد الأناشيد بقراءة روحية

القراءة اليهوديّة للسفر:

بالنسبة لليهود يتكلّم السفر عن علاقة يهوه بإسرائيل مشبّهة بعلاقة ملكٍ عليّ الشأن. فكثيرًا ما أنتج الأنبياء في كتاباتهم صورة عن علاقة يهوه بإسرائيل هي صورة الزوج والزوجة. يهوه هو الرجل العظيم الذي وجد محبوبته في إسرائيل فتعهّدها وقطع معها عهدًا واعدًا إيّاها برعايتها، فوعدته هي بخدمته الفانية. ويضع التقليد اليهوديّ سفر النشيد، الأوّل بين مجموعة اللّفائف الخمسة التي تُقرأ في الأعياد الكبيرة.

تقرأ بعض الطوائف اليهوديّة السفر ليلة السبت، وبعضها الآخر في أوّل أيّام عيد الفصح، وفريق ثالث طيلة أيّام عيد الفصح، فيتغنّى اليهودي بالتحرّر من العبوديّة، والتمتّع بخيرات الأرض بعد قحط الصحراء. وكلا الاختباران يتحدّثان عن أمانة يهوه حيال شعبه، وهكذا يعيش المؤمن اليهوديّ متعةً روحيّة حتّى النشوة النهائيّة في إطار حبّ يهوه لإسرائيل.

عند المفسّرين اليهود، سفر النشيد هو قصيدة حبّ بين يهوه وإسرائيل، فيهوه هو الحبيب وإسرائيل هي الحبيبة. ويُلاحظ القارئ في النشيد حبّ إسرائيل المنفصل عن يهوه بفعل قوى شرّ تتمثّل بالقوى المضادّة التي تضغط على الحبيبة فتطوّعها على الرغم من رغبتها في إرضاء يهوه. ومهما يكن، نشعر من خلال قراءتنا للنشيد بأنّه يوجد حبّ كبير وهناك ما يعيقه.

فإنمّا يعترض الشخصين الحبيبين، ربما هو السبي، أو ربّما الذين لا يؤمنون بإله واحد…وإذا أردنا أن نُبحر في السفر باحثين عن الصور التي تحمل معاني في تراث إسرائيل، فنجد أنّ ملك النشيد هو يهوه ملك إسرائيل بعد العودة من السبي، وفي الهيكل الثاني، لأنّ ربّ الجنود قد ملك في جبل صهيون، وفي أورشليم، وقدّام شيوخه مجدٌ…

وهو أيضًا راعي النشيد وراعي إسرائيل الذي يقودها إلى المراعي الخضراء ويُرجعها إلى أرضها بعد سبي مضنٍ. فتفرح الأرض، وتعود إلى بركتها وسابق عهدها، أي أرض اللبن والعسل: اللبن بركة الحيوان، والعسل بركة الأرض الطبيعيّة. ويحتوي السفر على إشارة غلى الخروج من مصر وإشارة إلى العودة من السبي. الصرّة في وسط الجسد تُذكّر في أورشليم في وسط البلاد، والثديان، ما هما إلاّ جبلي عيبال وجرّزيم، أو جبل صهيون والسامرة.

علاقة يهوه بإسرائيل مرموز إليها بالبحث المستمر عن الحبيب، وهي صورة من كتابات الأنبياء الذين كانوا يطالبون الشعب دائمًا بطلب يهوه فوق كلّ شيء، وطلب معونته، فيتدخّل هذا الأخير ويختارها مبيّنًا إمتيازات هذا الاختيار لإسرائيل.

الحب الإلهي في سفر نشيد الأناشيد بقراءة روحية
تصبح إسرائيل إذًا الشلوميّة، وهي تسمية يمكن أن تعني السلام والازدهار، وهي التي وجدت السلام في يهوه، ومنذئذ تتّحد به. وهكذا يتعهّدان معًا بعهد نهائيّ يوحّدهما، ويكون لهذا الاتّحاد ثمارٌ هو بناء الهيكل في أورشليم المشار إليها في القول:” أدخلني إلى خدرك أيّها الملك، لنبتهج ونفرح بك، ونذكر حبّك أكثر من الخمر” والهيكل حاضرٌ أيضًا عند ذكر المواد التي بُني منها: الأرز والسرو والأخشاب التي استخدمت من لبنان.

 

القراءة المسيحيّة:

يقبل المسيحيّون بشكل عام القراءة اليهوديّة على أنّها قراءة في الزمان والمكان. ولكنّهم أنتجوا قراءة خاصّة منسجمة مع القراءة المسيحيّة للعهد القديم. والقراءة المسيحيّة لسفر النشيد تقوم على تأوين القراءة اليهوديّة بإعادة انتاجها مع لاعبين جدد. يرى المسيحيّون بأنّ صورة العهد الزوجيّ بين يهوه وإسرائيل قد نضجت في الحدث المسيحانيّ، فأصبحت صورة المسيح والكنيسة. فالمسيح هو الملك الذي جلس على عرش داود، والكنيسة هي إسرائيل الجديدة.

انطلاقا من ذلك، يمكن القول بأنّ المعنى التاريخيّ ما هو إلاّ حامل للمعنى الحقيقيّ الذي هو إنشاد وتعظيم وتبجيل للحبّ الإلهيّ المتسامي. فالملك في سفر النشيد هو المسيح، وهو أيضًا الراعي لأنّه هو من أوجد الجماعة المسيحيّة، والمسيحيّون يجتمعون فيه، وهو يُظهر كثيرًا من الحبّ لمحبوبته الكنيسة.

الحبّ الذي هو أساس كلّ علاقة فيما بين أعضاء الكنيسة أنفسهم: حبّ قد تجسّد في يسوع المسيح الذي ارتضى أن يموت من أجلهم. أمّا بالنسبة للكنيسة فهي تظهر أوّلاً بصورتها المتواضعة، وهي تبحث عن المسيح. إنّها مُكرّسة كلّيًا لخدمة ابن الله، ومنه تحمل الثمار، أي المزيد من الأعضاء الأمناء. ومجيء المسيح يُسبب الكثير من الولادات الجديدة…ثمّ يأخذ شكل الخبز والخمر في وسط الجماعة، ويبقى على هذا الشكل إلى أمد طويل.

 

خاتمة

إنّ حالة النشوة هذه تكلّم عنها عدد من المتصوّفين أو القدّيسين، حين تكلّموا عن لحظة دقيقة من النشوة السماويّة، عندما يكون سهم الملاك قد اخترق قلبهم، فيمتلئون من السعادة التي لا توصف. يرينا سفر النشيد كيف أنّ حبًّا بشريًا، وإن كان مطبوعًا بإخلاص الحبيبين تشوبه كثير من الشوائب الناتجة عن الضعف البشريّ، وبمبادرة من الله يسمو هذا الحبّ البشريّ ليصير على صورة الحبّ الإلهيّ الذي فيه نزل الإله إلى البشر واختارهم ودعاهم وخلّصهم وطهّرهم وأدخلهم معه في اتّحاد روحيّ إلهيّ.

الحب الإلهي في سفر نشيد الأناشيد بقراءة روحية
لقد قضت مبادرة الإله أن ينزل إلى البشر بفعل حبّ إلهيّ، ليدخل في حبّ البشر بعضُهم لبعض، ثمّ يسمو بهذا الحبّ ليحوّله إلى حبّ إلهيّ. فكلّ حبّ بشريّ مؤسس على خلفيّة الحبّ الإلهيّ هو صورة عن حبّ الله (هنا نجد عظمة الزواج المسيحيّ)؛ بل حبّ الله للبشر المتجسّد في حبّ البشر بعضهم لبعض.

هذا ما قاله يوحنّا الرسول في رسالته:” إن قال أحد إنّي أحبّ الله، وأبغض أخاه، فهو كاذب، لأنّ من لا يحبّ أخاه الذي يبصره، كيف يقدر أن يحبّ الله الذي لا يبصره”
وتبقى أخيرًا المحبّة أقوى من الموت لأنّها عطيّة الله للمحبّين. ” اجعلني خاتمًا على قلبك، خاتمًا على ذراعك…. الحبّ لا تطفئه المياه الغزيرة، ولا تغمره الأنهار. لو أعطى الإنسان ثروة بيته ثمنًا للحبّ لناله الاحتقار” نشيد الأناشيد 8: 6-7.

الأب موكاب

الحب الإلهي في سفر نشيد الأناشيد بقراءة روحية

www.LightBook.org ]