الرئيسية / شهادة حياة / دخيلك يا أمي مدري شو بني – جيلار أقفلت الستارة على المشهد الأخير

دخيلك يا أمي مدري شو بني – جيلار أقفلت الستارة على المشهد الأخير

جيلار أقفلت الستارة على المشهد الأخيردخيلك يا أمي مدري شو بني – جيلار أقفلت الستارة على المشهد الأخير:

 

عندما قرأت قصة هذه الفتاة أحببت أن أنقلها لكم بسبب تأثري الشديد بها ولأني أدرك جيداً أن لا حياة في السماء إلا للودعاء،
البسطاء، الفقراء، المتألمين، أنقياء القلوب والروح…!
قصة هذه الفتاة، هي قصة الكثيرين الذين عاشوا الواقع المرّ الأليم في حياتهم،
من ترك، إهمال، تشرد، فقر، مرض، تهجير، حرمان، رفض، تخلي، وحدة، وعذاب!
كان الرب يسوع هو رفيقهم وملجأهم الوحيد في هذه الحياة، أمسك بيدهم،
وقادهم إلى طريق المجد، والعزّة، والغناء، قادهم إلى طريق السماء حيث الفرح والراحة مع سرور ومجد لا يزولان ونور لا ينطفئ إلى الأبد.

تابعوا معنا  تتمة القصة لنعرف كيف أقفلت الستارة!؟

ماتت جيلار أمس. ربما كان يجب أن تموت قبل هذا التاريخ، فالحياة لا تستأهل كل هذا العذاب،
والتمسك بها، وخصوصا بعدما “تخلى” الله عن الفتاة باكرا جدا. كانت مؤمنة، وممارسة الى حد بعيد.
هي حال الفقراء والمتألمين دائما، لا يجدون سوى الله ملجأ لهم.
تحملت أوجاعا لا تكابد، جسدية ونفسية. أمس غادرتنا الى الجنة. نعم الى الجنة.
لأنه إذا لم تكن الجنة مثواها، فذلك يعني أن لا جنة، أو أن الله غير عادل على الأرض، وفيما بعد الحياة الدنيا.

 

هي ممن يتحدثون عنهم في الأفلام “مقطوعة من شجرة”.
الوصف ينطبق عليها تماما. كثيرون ضاق بهم الزمن وهجرهم أولادهم وإخوانهم، لكن أحدا لم يهجر جيلار، لأن لا أهل لا أقارب لها.
ذهب “والدها”، الشاب العكاري المسلم، في رحلة إلى تركيا، تعرّف إلى شابة مسيحية سريانية، قررا الزواج،

فهربت معه الى لبنان. تبرأ أهلها منها، ورفضها أهله. لم يعد الى قريته، بل أقام في عاصمة الشمال حينا.
ترك الزوج منزله وهجر زوجته عائدا الى ذويه.
كانت المرأة حاملا، وتبين لها ان زواجها لم يسجل في الدوائر الرسمية.

اذاً هي حملت سفاحا، والمولود سيكون لقيطا، بموجب القانون اللبناني. لا أهل. لا أقارب.
لجأت الوالدة إلى عجوزين عملت في خدمتهما، وأقامت والمولودة الجديدة معهما، وقبلا بأن يسهلا امور الفتاة،

ولا اعلم كيف، لتحصل على بطاقة هوية لبنانية، حملت اسم عائلة والدتها، وطائفتها.
مرضت الوالدة، وأدركها الموت، فعاشت الصغيرة، التي عانت منذ الولادة تفككا في الحوض،
مع العجوزين الى ان توفيا خلال الحرب اللبنانية. هجر من تبقى من المسيحيين ذاك الحي الطرابلسي، ومعهم جيلار.

 

إلى أين تذهب؟ لا أهل ولا أقارب. بل فقر مدقع، وآلام تحتاج الى جراحة.
حملتها صديقة الى بيروت، ووفرت لها عملا في سنترال اذاعة “صوت الشعب”.
نامت في اروقة المحطة اياما، قبل ان تنتقل الى منزل مهجور في منطقة رأس النبع.

الايجار هناك “مقبول” لأن المنطقة على خط التماس ولا طلب عليها.
بعد مدة عجزت خلالها عن بلوغ منزلها، انتقلت الى شارع الحمراء لتقطن في غرفة على سطح احدى البنايات.

وحيدة، بعض الواح الاترنيت تحميها من الشمس والمطر.
كانت، في الليالي العاصفة، لا تنام. تقول: “كنت اشعر بأن الواح الاترنيت ستطير مع العاصفة،
او ستنزل علي في فراشي. كنت اشعر بالخوف، واستعد للأسوأ. اذا مت لن يشعر بالأمر احد قبل ايام. لا اريد ان اموت بهذه الطريقة”.

 

بعد مدة ساعدها الزميل سركيس ابو زيد على الانتقال الى قناة “الجديد”.
عملت في قسم الرصد، ثم انتقلت الى التحرير.
تدربت، وساهمت في انتاج نشرة الاخبار وبعض البرامج. لكنها كانت كل سنة تحتاج الى شهر اجازة. هذا حق لها.

كانت تمضي ايام “العطلة” في المستشفى. تحتاج كل سنة الى جراحة في الورك الذي صار يزداد تفككا وتفتتا.
كانت تجمع فتات المال حتى لا تطلب مساعدة أحد.

بل على العكس، خبأت قرشها الابيض ليومها الاسود. هكذا كانت تردد.
امتنعت عن حضور اعراس الزملاء والاصدقاء في المحطة لتوفير ثمن شراء ثياب جديدة. لكنها كانت سباقة في ايفاء ما يتوجب في لائحة العرس.
لا تريد ان تشعر بدونية الفقر “ايديولوجيا التعتير” على حد وصف زياد الرحباني.

 

عندما كان الالم ينهكها، كانت تقصد صديقتها “سوسة” كما تناديها.
هذه المسلمة القديسة التي، الى جانب عائلتها الكبيرة، ووضعها الصحي، حضنتها مع زوجها، وفتحت لها منزلها.
اصدّق هنا وفي بعض المحطات ان “أبانا السماوي لا يتركنا”.
كانت تشعر بالفرح مرة في الشهر، كلما زارت القديس شربل، هناك في المحبسة ترتاح.
تقصد المقام نهار السبت لترتاح من عناء المشوار صباح الاحد. كانت تصطحب اولاد “سوسة”، او احدى الزميلات في المحطة.

 

في العامين الاخيرين، شعرت بان الله تخلى عنها. اصابها داء السرطان في عمودها الفقري،
ضربها الشلل في قدميها، وصار يتمدد.
بلغ العنق، صارت لا تقوى على الكلام، لا تأكل الا السوائل، ولا تغادر الفراش.
حتى الهاتف لم تعد تستطيع الامساك به.
تجنبتُ زيارتها. لم يكن ممكنا ان اراها في هذه الحال.

كانت تقول لي عبر الهاتف “صلي من أجلي”.
وكنت أصلي لتسريع أجلها، كنت اطمئن بطريقة غير مباشرة،
من مالك الشريف الذي لم يتركها يوما، ومن اصدقاء كانوا يزورونها،

منهم مريم البسام وسمر ابو خليل ولبيب حلاق، وآخرون لا مجال لذكرهم جميعا. انقطعتُ عن زيارتها.
في ايامها الاخيرة لم تعد تقوى على التحمل.

ازعجت الراهبات في دير السيدة في انطلياس، وكذلك الاطباء في مستشفى بيروت الحكومي،
وبعض الزملاء. صارت لا تطيق الحياة، صارت تشتهي الموت، وتنتظر ساعتها.

لا اعلم لماذا يرفضون الموت الرحيم في مثل هذه الحالات؟

 

في الساعات الاخيرة، عندما عجزت عن الامساك بالهاتف، صار يرن ويرن فيرد تلقائيا ويسمعنا اغنية فيروز
“دخيلك يا امي مدري شو بني… اتركني بهمي زهقانة الدني”. هو الشعور الدفين بالحاجة الى حضن الام مهما كبرنا، ومهما طال البعاد.
أمس حمل زملاء في المحطة نعش جيلار الى كنيسة سيدة البشارة للسريان.
صلوا لأجلها، كل على طريقته، لأن اكثرهم غير مسيحيين، مسلمين وعلمانيين.
احتاروا من يعزون، فالمعزّى بها واهل العزاء في التابوت. عزوا بعضهم بعضا، وهم نحو عشرين.

 

رفضت كرمي خياط أن تقفل الستارة وينتهي المشهد هنا.
مأساة انسانية، نعم. ولكن ثمة كرامة بشرية وذكرى وحنين وزمالة وصداقة.
قررت أن تقيم لها عزاء غدا السبت، لا في المحطة، بل في الكنيسة حيث صلي عليها.

وكرمي الانسانة لم تتخل عن جيلار يوما، بل تكفلت، مع ادارة المحطة، كل نفقات علاجها ووداعها الأخير،

بصمت، ظنا منها أن أحدا لا يعرف هوية فاعل الخير.
غدا تقفل الستارة على معاناة انسانية عاشت في الظل،

ورحلت بهدوء الى حيث يأمل الناس أن تكون حياة أفضل، لا وجع فيها ولا حزن ولا تنهد، بل لا فناء.

نقلا عن جريدة النهار

دخيلك يا أمي مدري شو بني – جيلار أقفلت الستارة على المشهد الأخير

www.LightBook.org ]