عطش وحياة – تأمل مسيحي يروي العطش الروحي

37
عطش وحياة - تأمل مسيحي يروي العطش الروحي
عطش وحياة

بداية : إذا كان الموت ينهي حياتنا ووجودنا؟ فلماذا نناضل ونسعى في سبيل كون أفضل، على الرغم من أنّه سيستمرّ من دوني؟ – لماذا نعيش؟ كيف نعيش؟ إلى أين نذهب؟ – هل السعادة هي من نفتّش عنها؟ أم السلطة؟ أم المال؟ أم الملذّات؟  عطش وحياة – تأمل مسيحي يروي العطش الروحي

لا شك في أنّ كلّ إنسان يفتّش عن السعادة. ولكن ما هو الذي يعطي السعادة؟ وكيف؟
هل السعادة هي في الشهرة، المال، السفر، تحقيق الذات، الجنس، السلطة….
يمكن القول بأنّ الهدف الأساسي الذي يفتّش عنه الإنسان هو السعادة…. ونحن نفتش عن شيء معيّن يعطينا السعادة…ولكننا لا نعرف حقيقة هذا الشيء، وكيفيّة الوصول إليه.

ما هو الشيء(x) الذي إذا زاد، ممكن يزيد السعادة، وإذا نقص ممكن ينقص السعادة؟
هل هو المال؟ كلاّ. لماذا؟ لأنه من الممكن أن يكون هنالك أغنياء سعداء، وبالعكس أغنياء تعساء…والأمر نفسه مع الجنس والسلطة والسفر…فما هو هذا الشيء إذا؟
إنّه الحب: أن تُحَب أيّها الإنسان، وأن تُحِب.
ويجب أن تُحَبّ أوّلاً، لأنّه إذا لم تحُب، لن تقدر على الحبّ…وعلى قدر ما تُحَب، تصبح قادرًا على الحب.

أمّا اليوم الذي فيه تُحِب، لكي تصبح محبوبًا، لا تعود قادرًا على الحب.
إنّ تفتيشنا عن السعادة، ليس له حدود، وهكذا الحب ليس له حدود.
ملاحظة: متى يعطيني الجُماع السعادة؟ عندما يجعلني محبوبًا، وبدوري قادرًا على الحب (إنحب1، وحب2)
عندما أُحَب بلا حدود، أُحِب بلا حدود…. ليس ضروريًا أن أُصبح محبوبًا من الشخص الذي أحبّه (مثلاً: لكي أُحِب رفيقي، لست بحاجة إلى محبّة رفيقي، بل مثلاً إلى محبّة أبي).
أن أُحَب بلا حدود، لا يعني ان أكون محبوبًا من جميع الناس (الحب اللامحدود ليس في الكميّة، بل في النوعيّة).

أين نجد الحب اللامحدود؟ وهل الإنسان قادر أن يحب بلا حدود، ولماذا؟ الإنسان هو كائن محدود، وهكذا حبّه هو محدود، ولكن ممكن فقط أن يحبّ بلا حدود إذا تعرّف على حب لامحدود من كائن لامحدود، يدخل عالم الإنسان المحدود لكي يعرّفه على حبّه اللامحدود.
فوحدها محبّة الله لا محدودة، وإذا كان الله هو الحبّ اللامحدود، كان عليه ألا يبقى بعيدًا (مجرّد فكرة) كما في سائر الديانات…بل كان عليه أن يدخل في تاريخ البشر(المحدود)، أي يصبح إنسانًا، لكي يكون هنالك خبرة حسيّة مع الإنسان (رؤية، لمس، سماع….) من هنا أهميّة التجسد: تجسد الله الكلمة: يسوع المسيح.

1. إنسان إلى أين؟
2. مسيحي إلى أين؟
3. رسول إلى أين؟
القسم الأوّل: إنسان إلى أين؟

ما الذي يقتل قلب الإنسان؟
ما الذي يقتل قلب الإنسان؟ – عطش وحياة

ما الذي يقتل قلب الإنسان؟

الذي يقتل قلب الإنسان: قلّة الحب الحب الذي هو الشعلة الوحيدة التي تملأ فراغ قلب الإنسان. والحب خبرة لأنّه كلمة وفعل: إنّه كلمة (نسمعها)، ينوّر الفعل…وفعل(نلمسه) يثبّت الكلمة.
كل فعل يبدأ بكلمة، وهذه الكلمة لا تتحقق إلاّ بالفعل…الحب هو الشعلة الوحيدة القادرة أن تشهد على الفعل.
ملاحظة: الحياة المسيحيّة هي: صمت، سماع، لمس…

ما هو الحبّ اللامحدود؟ أو كيف يكون هنالك حب لامحدود؟
يكون حب الشخص لا محدودا…. عندما يكتشف ضعفي، ونقائصي، ويبقى يحبّني.
إنّ قلب الإنسان خلق لكي يحُب، ويُحِب…. قلب الإنسان يتلقّى الدم أوّلاً ثمّ يضخّه لا يقدر أحد ما أن يُحِب، عندما يكون مجروحًا (نعرف أنّ هذا الإنسان هو محبوب، عندما يعطي علامات حب…فالإنسان الذي يُحَب، لا يقدر إلاّ على الحبّ).
يسوع عندما يرى إنسان خاطئ، يرى فيه إنسان مجروح (غير محبوب)،” ما جئت لأدين العالم، بل لأخلّصه”. يكفي الإنسان أن يلتقي بشخص يحبّه، لكي يعود قادرًا على الحبّ. يقول يوحنّا الإنجيلي: “إذا الإنسان لم يحبّ أخاه الذي يراه، كيف يحبّ الله الذي لا يراه”
فالذي يحبّ الله، يحبّ الإنسان، والعكس صحيح.
قلب الإنسان إمّا كاملاً، أو مجروحًا:
لقد أضاع الإنسان سر سعادة قلبه وكماله في ارتكابه الخطيئة. وهنا يكمن سرّ المسيحيّة. والمسيحية هي شخص يسوع المسيح، وليست دين.
من هو يسوع بالنسبة لنا؟ ماذا ننتظر من يسوع؟
البعض في الإنجيل قالوا:
1 – “يوحنا المعمدان”: ما علاقته بيسوع؟

دعا يوحنّا إلى التوبة مثل يسوع، ولكنه وبّخ الناس لكي يغيّروا حياتهم (هل جاء يسوع لكي يعطينا وصايا؟ كلاّ جاء لتحقيق الوصايا…يسوع لم يعجبه الجواب.
2-     “إيليّا”: هو صاحب المعجزات…الوحيد في العهد القديم الذي عمل معجزات تقريبًا..(إقامة موتى،إنزال المطر) وأيضًا يسوع لم يعجبه الجواب.
3-     “أحد الأنبياء”: عملهم توصيل كلام الله…هم لراحة الضمير، بمثابة المخدّر
لقد رفض يسوع أن يكون:1 المؤنب والمشرّع…2صاحب المعجزات…3المريّح.
من هو يسوع المسيح؟ وبماذا تميز عن غيره؟

وحده بطرس يجيب بقوله:” أنت يسوع ابن الله الحي”…فيجيبه يسوع بمعنى ما: ”هذا قد كشف لك من السماء. مش منك لأنك لا تعرف معناها.
لكي نفهم معنى ذلك، سنتناول مثل زكّا العشار: من كان زكّا؟
– إنّه رجل قصير القامة
– رئيس عشّارين
– غني وحشري

وفي نظر اليهود كان العشّارون أشخاصًا خونة، جباة للضرائب، يستغلّون الناس، يظلمون الناس، يأخذون من الضرائب، أكثر ممّا يطلبه الرومان الذين احتلّوا المنطقة. والأهم أنّهم قوم خطأة على مثال الوثنيين، أعداء لله، ذلك لأنهم تعاملوا مع العد والذي احتل الأرض المعطاة من الله لليهود. وهكذا كان زكّا مرفوضًا، ومحتقرًا من الناس، (كان مجروحًا، كان يحتاج إلى أن ينحب، ويحب).
لماذا زكّا لم يُحَب؟ لأنه كان قصير القامة (بالدارج زمك) …والجمال عند اليهود كان يقاس بطول القامة، وبالقوّة الجسديّة (الجميل هو الذي يأخذ حقّه بيده).
زكّا غير محبوب…محدا شايفه…ولذلك فكّر زكّا، أنّه عندما سيمتلك المال، سيمتلك السلطة، الغنى، سيكتسب محبة الناس.
إن قلب زكّا كان يفتّش عمن يحبّه…لقد حاول بالمال وبالسلطة أن يشتري الحب. ولكنه سيفشل، لماذا؟ لأنّه عندما سيخسر المال، سيفقد الحب.
ونفس الشيء مع السامرية التي تزوّجت خمس مرّات، لأنها كانت تفتّش عن الحب، وكذلك الأمر مع الأعمى والشاب الغني.
بالأخير، كل واحد منا هو زكّا، وزكّا هو كل إنسان مجروح…ومن منّا ليس لديه جروحات.
لقد حاول زكّا دفع الناس لكي يصل إلى الجميزة، سيعمل كل شيء كي يصل إلى غايته. زكا يمثل كل إنسان لا يقدر أن يُحِبّ ذاته والآخرين، لأنّه غير محبوب. إنه يفتش عن شخص يعطيه الحياة.
يقول أرسطو:

“حين يشعر الإنسان أنّه غير محبوب، يحتاج إلى أن يثير الإعجاب؛ إذا لم يكن محبوبًا ولا مثيرًا للإعجاب، يصبح وكأنّه يموت”. يحتاج الإنسان إلى عيون الغير، الذي يقدّرون، يحبّون يعجبون ويؤكّدون. إذا ما أخطات هذه العيون، أو ازدرت من قبل الآخر، أو خافت، أو استبعدت، او لم تُشاهِد (كما لو لم يكن الآخر موجودًا)، عندئذ نشعر بالفراغ والحصر والانهيار. نحن على استعداد لأن نبذل كل الجهود لنجد نظرة تثبّتنا وتعطينا قيمة. إذا لم يكن المرء محبوبًا ومثيرًا للاعجاب بقواه الحسنة، سعى لنيل إعجاب الآخرين بقواه الهدّامة وبالضغينة. إنّ الحاجة لأن يكون المرء الأقوى والأحسن بنظر بعض الآخرين ملحّة في قلب الإنسان! إنّها قضيّة حياة أو موت!

–        يسوع لو كان يوحنّا، كان سيقول لزكّا: لازم تخاف الله، ويؤنّبه.
–        يسوع لو كان إيليّا: كان أجرى معه معجزة، وجعله يطول كم سنتمتر.
–        لو كان يسوع أحد الأنبياء، كان قال له لا تهتم، ويساعده على إراحة ضميره.
–        فكيف كان تصرّف يسوع؟

لقد ناد يسوع زكّا من بين كلّ الناس(الزحام)، وطلب منه أن يعزمه إلى بيته، وكان يسوع محط الأنظار. وبالرغم من ذلك قال يسوع: عليّ أن أقيم في بيتك (كأن لم يعد إلاّ يسوع وحبيبه زكّا). بمعنى يقول يسوع لزكّا (مشروعي للحب إنت زكّا…. لقد تجسدت كرمالك إنت، ومحدا إنت) …فكل إنسان هو فريد في عين الله…كلّ إنسان هو تاريخ مقدّس…
بين يسوع وزكّا: يسوع هو ابن الله، وزكّا يمثّل أكبر عدو لله، وهو الذي خان مشروع الله ووصاياه، وهو عابد المال وليس الله.
يقول يسوع بقبوله زكّا:

متل ما إنت بحبّك، وليس إذا تغيّرت بحبّك.

لا يحب يسوع الكل، (لا يحب بالجملة) بل كل واحد بمفرده.
يعمل يسوع مع كل إنسان قصة حب فريدة وصداقة، كل واحد منّا هو حبيب ليسوع، مشروع حب لح ينتهي بزواج روحي. (من هنا نرى في العديد من أسفار العهد القديم أنّ علاقة الله بشعبه تُشبّه بعلاقة الزوج لزوجته، وخيانة الزوجة لزوجها، ترمز إلى خيانة الشعب الاسرائيلي لله.
ولكن حتّى لو حصلت الخيانة، حتى لو ابتعدنا بحريتنا عن يسوع، فهو يحترم حريتنا، ولكنه لا يخوننا، وذلك لأنّ يسوع لا يخون ذاته. فالله إذا تخلّى عنّا، فهو لا يبقى الله، هو أمين دائمًا.
نتيجة قبول يسوع لزكّا: عندما استقبل يسوع زكّا، دخل الفرح إلى قلبه. فالذي يعطي الفرح لقلب الإنسان هي لحظة حب.

ماذا يمثل غضب الآخرين على يسوع؟
ماذا يمثل غضب الآخرين على يسوع؟- عطش وحياة

ماذا يمثل غضب الآخرين على يسوع؟

يذكّر غضب الآخرين على يسوع بالأخ الاكبر في مثل الابن الشاطر الباحث عن الحب. لقد كان الابن الشاطر جوعان، عطشان، لا الجنس أشبعه، ولا الأصدقاء، ولا المال، لأنه كان فارغًا من الحب.
وعندما عاد إلى البيت قال لأبيه:” خطئت إلى السماء، وإليك، وأنا لا أستحقّ ان أكون ابنك. أمّا الأب فلم يدعه يستمر في الكلام. لقد قال له بمعنى ما:(أنا لا أحبّك لأنّك عدت إليّ، بل لأنّك ابني…بحبّك لأنّي بحبّك، لم أكفّ عن محبتك).
لقد كان زكّا فرحًا بدخول يسوع إلى بيته…فعندما أكون حزينًا، يجب أن أسأل نفسي، أين أضعت العريس.
وفي ذلك نجد المعنى الحقيقي للصوم الذي هو التفتيش عن العريس، ولذلك لم يكن التلاميذ يصومون، لأنّ العريس كان معهم، فالصوم هو لأنّ العريس قد استُبدل بعريس آخر.
أن تلتقي بشخص مسيحي حقيقي، هو أن تلتقي بشخص قادر أن يُحبك، لمّا بتكون في كل وسخك، وخطاياك وضعفك.

مثلاً: طفل معاق في عائلة ما، هو مثل زكّا…تكتشف العائلة السعادة في وجود هذا الطفل بينها، عندما تكتشف أنّه نعمة من الله…وعندما تكتشف العائلة الحب. تصبح عندئذ قادرة على محبّته.
أخيرًا: يمكن القول بأنّه بعد التجسد، نحن لا نؤمن بالله، كبقيّة الديانات الأخرى، بل بأب يسوع المسيح أبانا.
تكمن المشكلة اليوم في تصديق هذا الحبّ اللامحدود القادر أن يحبّني في وسط ضعفي وخطاياي…. الحب الحقيقي هو أن أحب الآخر بالرغم من…
هذا الحب هو الذي سيخلق الثورة أو الدافع الذي سيجعلني أقبل ضعفي من ناحية، ومن ناحية أخرى، ان أعترف بخطاياي، وأشتغل على حالي، وأطور حالي، وأجاهد لكيلا أبقى في قاع الخطيئة.
والرب يسوع يسمّي الشيطان بالكذّاب، وأبو الكذب الذي يحاول أن يمنعنا من تصديق هذه الحقيقة التي تكلّمنا عنها سابقًا:” يسوع بحبني متل ما أنا”.

مسيحي إلى أين؟
مسيحي إلى أين؟ – عطش وحياة

2- مسيحي إلى أين؟

لكي نتكلّم عن هذه النقطة، سننطلق من قصّة يسوع والشخص الذي حاول أن يجرّب يسوع، وهو من علماء الشريعة، ومن وصيّة ” أحبب قريبك كنفسك”، وصولاً إلى مثل السامريّ الصالح في ل وقا10: 25-37. إذا تأملنا في هذه القصّة، نلاحظ بأنّ يسوع يُخبر فيها قصّته وتاريخ الخلاص كلّه.
فالرجل الذي كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا، هو بمثابة آدم (كل واحد منّا آدم= الإنسان بشكل عام) …وأورشليم هي مكان وجود الهيكل، حيث نجد قدس الأقداس الذي هو مكان وجود الله، وبلغتنا العاميّة: السماء.
أريحا التي تقع تحت سطح البحر، ترمز إلى مكان الخطيئة أو الخطأ: ففي الإنجيل، أريحا عادة هي مكان الخطيئة، وبلغتنا العاميّة ترمز إلى: جهنّم.
خلال الطريق، التقى الرجل باللصوص الذين يرمزون إلى قوّة الشرّ والتجارب. وهؤلاء الأشرار ضربوا الرجل ممّا سبّب له جروحًا، وهي ترمز إلى خطايا الإنسان.
بعد ذلك كان هنالك كاهن يمرّ على نفس الطريق، فرأى الرجل المضروب (آدم)، فمال عنه. الكاهن يرمز إلى الشريعة (في تاريخ الخلاص، لم تستطع الشريعة أن تشفي جروحات آدم، بل اقتصر دورها على مساعدته لرؤية الخطيئة لكي يتجنّبها).
إذًا تساعدني الشريعة على رؤية خطيئتي، وسخي، ضعفي، ولكنّها لا تزيل هذا الوسخ.
إلى أن جاء اللاوي الذي يرمز إلى الأنبياء، فمال عنه أيضًا ومضى ( يُختصر عمل الأنبياء بتوبيخ ضمير الخاطئ حتّى يتوب…).

 

إلى أن وصل السامريّ الذي كان مسافرًا (لديه هدف، مهمّة)، وهذا السامريّ رأى المضروب 1، وأشفق عليه2…، ودنا منه3…، ضمّد جراحه4…، صبّ عليه خمرًا، وزيتًا5(حسب الطب القديم، كان الزيت يُستعمل لتخفيف الألم والشفاء، والخمر لتطهير الجروح) …، حمله على دابته6. ذهب به إلى الفندق7. واعتنى ب أمره8…،
هذا السامريّ هو يسوع المسيح، والفندق هو بمثابة الكنيسة، وصاحب الفندق هو بمثابة المسؤول في الكنيسة (خادم الكنيسة أو راعي الكنيسة). ثمّ في الغد أَخرج السامريّ دينارين، ودفعهما لصاحب الفندق لكي يعتني بالمضروب، وقال له:” مهما انفقت زيادة على ذلك، أؤديه أنا إليك عند عودتي”. الدينارين قد يرمزان إلى طبيعتي يسوع الإنسانيّة والإلهيّة، أو إلى العهدين القديم والجديد، أو إلى الآب والروح القدس، لأنّه لا عمل لله، إلاّ كعمل ثالوثيّ).
ما هي ميزة السامريّ؟

 

1-     هو الذي يأخذ المبادرة (اقترب منه= دنا منه)، جعل من ذاته قريبة منه…يسوع إذًا يدعونا إلى أخذ المبادرة لجعل الآخر قريب منّي، وهو الإله الذي جعل من نفسه إنسانًا، لكي يقترب من الإنسان.
2-     محبّة الأعداء: نعرف أنّ هنالك عداوة بين السامريّ واليهوديّ. وقد صار العدو قريب لي بحسب الرب يسوع (أجعل من ذاتي قريبة من الآخر حتّى العدوّ).
الإيمان يُترجم بالأعمال: قام السامريّ في سبيل التقرّب من المجروح بأفعال عديدة، رغم أنّه كان مسافرًا، فقد غيّر مشروع سفره في سبيل مساعدة المجروح:
لقد وضع عليه زيتًا وخمرًا (أدوات الشفاء، كانوا في الأصل زيتًا وعنبًا…اتّحاد محبّة الله (الأصل)، ومحبّة الإنسان (العمل). عندما أُعطي شيئًا، فيجب أن أعطي من ذاتي، ومن تعبي ومحبّتي.
نقله من الطريق، إلى الفندق (نقله من موضع إلى موضع، ومن حالة إلى حالة)، ووضعه في مكان آخر(الفندق) لكي يحميه من التعرّض للصوص. ثمّ سلّم المهمّة إلى صاحب الفندق (عمل يسوع الخلاصيّ ليس لوقت معيّن، بل هو عمل مستمر، وذلك بتسليم المهمّة إلى صاحب الفندق، إلى حين عودته).
ما هو دور أو مهمّة الدابّة؟

نقل المضروب من جانب الطريق إلى الفندق، وهي جدًا مهمّة.

ما هو دور صاحب الفندق؟

هو دور كل مسؤول في جماعة، في كنيسة…دوره هو مساعدة المضروب على الشفاء والنموّ (الاعتناء به). ويمكن القول بأنّه قد يبدأ كآدم، فيتعرّض للمآسي، والآلام، والجروحات، فيشفيه يسوع، حتّى يصبح صاحب الفندق. وهكذا لكي يُساعد بدوره آدم آخر، فهو يحتاج سابقًا إلى خبرة فعًالة.
إذًا مسيحيّ إلى أين. هو أن أنتقل من جانب الطريق، على الرغم من جروحاتي، وأسمح ليسوع بأن يشفيني، وأن أعمل خبرة الفندق، لكي أصبح صاحب الفندق يوم من الأيّام (الذي يكمن الخطر عنده في التكبّر، بأنّه أصبح صاحب الفندق (مسؤول، وناطر الآخرين حتّى يأتوا إليه، دون أن يحرّك ساكنًا، فعندها مهمته ستفشل حتمًا).
ولكن أحيانًا، قد أكون بحاجة إلى لعب دور الدابّة، لكي يستعملني يسوع في نقل المجروحين والحزانى إلى برّ الخلاص (الفندق) وذلك برحمة ومحبّة، دون أن أنزل يسوع عن ظهري.
أخيرًا، كل منّا هو آدم، فيه جروحات وآلام، ويحتاج إلى أن يعمل خبرته (خبرة الشفاء وتذوّق الغفران)، لأنّ الشخص الذي يأتي من الأخير (من صاحب الفندق) دون أن يعمل الخبرة الأولى، سيكون “فندقجي فاشل”، ليس لديه رحمة وشفقة السامريّ الصالح يسوع المسيح.
” الذي يعيش دعوته بعمق، سينال أضعاف ما أنفق” أمين.
دراسة نص السامريّة: انجيل يوحنّا 4: 1-30

تجري أحداث النص في منطقة السامرة، أي في منطقة لا يخالط فيها اليهود الشعب السامري.
السامريّة هي باختصار مكان الناس الخطأة بالنسبة لليهود، ومحط كرههم وحقدهم، حتّى أكثر من الوثنيين. (خصوصًا بعد انقسام المملكة بعد يعقوب إلى 12 سبطًا). يركّز النص على أنّ يسوع كان لا بدّ له من المرور بالسامرة، فدخلها مع تلاميذه، وميّز نفسه عن اليهود الذين يكرهون السامرييّن. وصل يسوع إلى بئر يعقوب، وكأنّه قد أعطى سابقًا موعدًا للمرأة السامريّة بشكل خاص، وللسامرييّن بشكل عام، لكي يدخل إلى بيوتهم(قلوبهم)، ويمكث عندهم، يأكل ويشرب (خبز وملح)، على مثال زكّا العشّار.
هذه المرأة السامريّة الخاطئة استخدمها الرب بعدما آمنت به لتبشير شعبًا بكامله ومدينة بكاملها، وليعلنوه في النهاية مخلّص العالم، وذلك حتّى قبل أن يعلنوه اليهود معلّمًا.
يسوع إذا يستخدم امرأة لكي يعرفه الناس (الرب أعطى قيمة للمرأة على عكس الديانات الأخرى التي تنجس المرأة)، كما فعل مع مريم المجدليّة بعد القيامة.
كانت المرأة السامريّة تأتي في الظهر، في عز الحرّ لكي تستقي الماء، لأنّها كانت زانية، خاطئة.

كانت تخاف من حكم الناس عليها فأراد أن يخلّصها الرب يسوع من عبوديّة الخطيئة. الجدير بالذكر أنّ الرب كعادته هو الذي يأخذ المبادرة، ويتقرّب منها، حيث قال لها: “أعطني لأشرب”. وكأنّ الرب كان عطشانًا لمحبّتها ولخلاصها منذ الخلق، حيث أنّه تعب من المسير والسفر.

وبعد حوار بين يسوع والمرأة التي كانت تخبره عن أعماق البئر، وبأنّ ليس لديه دلو ليخرج الماء، يدخل يسوع بمحبته ورحمته إلى أعماق روحها وقلبها ليزيل سبب جرحها وألمها، فأخبرها عن ماء الحياة، فقالت له:” أعطني من ماء الحياة حتّى لا أعطش، فلا أعود إلى الاستقاء من هنا. (طلبت الماء ليس للشرب، بل حتّى لا تعود إلى البئر، وكي لا تتعرّض للإهانات والمضايقات من الناس لكونها خاطئة)
لكنّ يسوع عرف مشكلتها وجرحها، ولذلك قال لها:” اذهبي وادعي زوجك”، وهكذا حدّد يسوع مشكلتها: الخطيئة هي سبب العطش. والسبيل إلى عدم العطش هو الحب فالغفران فالتوبة. ثم قالت له المرأة:

“أرى أنّك نبي” بعد أن كشف يسوع أعماق قلبها وبأنّ من معها ليس بزوجها. وهنا نلاحظ ارتفاع في المستوى اللاهوتي بموازاة التعمّق في العلاقة مع الرب، من كون يسوع شخص يهودي إلى كونه نبيًا، إلى مستوى العبادة الحقيقيّة للآب بالروح والحق، وصولاً إلى اعلان يسوع مخلص العالم. هكذا نحن على مثال المرأة السامريّة، فالرب يكشف ذاته لنا عندما ندخل في علاقة عميقه معه، نتحاور معه، فننمو بالنعمة ونتتلمذ له شيئًا فشيئًا. وبعد أن كشف الرب ذاته للمرأة بأنّه المسيح المنتظر مخلص العالم، وبعد أن شفاها بالتفاته إليها وبمحّبته لها، عملت ردّة فعل (حصل التغيير) …

لقد تركت جرتّها يقول النص، ويمكن كسرتها…لقد تخلّت عن مصدر شربها، وسدّ عطشها بماء البئر. لقد أصبحت هي الجرّة التي ستمتلئ بماء الحياة، الروح القدس الذي سيتفجّر فيها عين ماء يفيض بالحياة الأبدية، والحياة الأبدية هي حسب يوحنا الإنجيلي معرفة الله الآب والرب يسوع المسيح، وهي قد عرفته. لقد أصبحت بعدئذ رسوله للسامرييّن الذين طلبوا من يسوع أن يقيم عندهم، تخبر عنه، وعن كلّ ما فعله معها…لقد ذهبت تقول بالإله الذي ليس بعيد عنّا (إلهي ليس بعيد عنّي)، وبالتالي علاقة شخصيّة معه…فهل نحن اليوم ندعو يسوع للإقامة في بيوتنا وقلوبنا؟؟

وهكذا دخل الربّ بيوت السامرييّن، ومكث معهم، وكانوا أوّل الناس الذين أعلنوه مخلّص العالم عندما سمعوا كلامه المحي.

 

خلاصة:

لقد تحوّلت المرأة السامريّة (ونحن على مثال هذه المرأة)، من انسانة خاطئة، وزانية، إلى انسانة مسيحيّة، عندما التقت بالرب، وحصل الشفاء، وإلى رسوله ومبشّرة.

ويسوع الذي يجمع في شخصه الله والإنسان معًا، جسدّ في شخصه المصالحة بين الله والإنسان، بين الله والمرأة الخاطئة (الإنسان بشكل عام) …بذلك فقط يحصل الشفاء الحقيقي…. بدأ يسوع عطشانًا يطلب أن يشرب، والمرأة كذلك، وانتهى الإثنين بدون عطش من غير أن يشرب أحدهما من الماء…. لقد أروى يسوع بحنانه ورحمته ظمأ الانسان وعطشه إلى الله…. وارتوى الإنسان من ظمأ الله لخلاص الإنسان وارجاعه إلى كنف محبّته.

ما حصل مع المرأة السامريّة من شفاء، يمكن أن يحصل معنا اليوم” والآن” (الكلمة التي تتكرّر في النص) فهي تدلّ على آنية الزمن الخلاصي، فالخلاص قد تم، وسيكتمل بمجيء الرب الثاني. ونحن بدرونا مدعويين لقبوله وطلب الرب لكي يكون سيدًا ومخلصًا لحياتنا، والعيش ضمن هذا الزمن الخلاصيّ برجاء عظيم على الرغم من آلامنا، وأحزاننا، منتظرين ذاك الذي غلب العالم، وأحبّنا حتى بذل نفسه من أجلنا، حتى لا نموت بخطايانا، بل تكون لنا الحياة الأبديّة.
رسول إلى أين؟

سوف نتوسّع في هذا الموضوع من خلال شخصيّة مريم العذراء (أول تلميذة في الكنيسة)، في عرس قانا الجليل.
وهي بداية رائعة يختارها الله لإنطلاقة الكنيسة. (إنجيل يوحنًا2: 1-12)
1″وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَانَ عُرْسٌ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاكَ. 2وَدُعِيَ أَيْضًا يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى الْعُرْسِ. 3وَلَمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ، قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ:«لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ». 4قَالَ لَهَا يَسُوعُ:«مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ». 5قَالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدَّامِ:«مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ». 6وَكَانَتْ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ مَوْضُوعَةً هُنَاكَ، حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ، يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً. 7قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«امْلأُوا الأَجْرَانَ مَاءً». فَمَلأُوهَا إِلَى فَوْقُ. 8ثُمَّ قَالَ لَهُمُ:«اسْتَقُوا الآنَ وَقَدِّمُوا إِلَى رَئِيسِ الْمُتَّكَإِ». فَقَدَّمُوا. 9فَلَمَّا ذَاقَ رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ الْمَاءَ الْمُتَحَوِّلَ خَمْرًا، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هِيَ، لكِنَّ الْخُدَّامَ الَّذِينَ كَانُوا قَدِ اسْتَقَوُا الْمَاءَ عَلِمُوا، دَعَا رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ الْعَرِيسَ 10وَقَالَ لَهُ:«كُلُّ إِنْسَانٍ إِنَّمَا يَضَعُ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ أَوَّلاً، وَمَتَى سَكِرُوا فَحِينَئِذٍ الدُّونَ. أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ إِلَى الآنَ!». 11هذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ ”.

التفسير والتحليل: أفكار لاهوتيّة للنص

1. الصعوبة الأولى هي أنه ليس عندهم خمر.)  المعنى الأوّل والسطحي: أنّهم كان يوجد لديهم خمر ونفذت الخمرة)،(يوحنّا يستعمل ازدواجيّة المعنى عادة في نصوصه)، ولكنّ يوحنّا أراد إيصال المعنى الأعمق واللاهوتي للآية، وهو أنّه من الأساس ليس عندهم خمر (ما اعتبروه خمر، ليس هو خمر من الأساس).

2. الصعوبة الثانية هي في الآية التالية:” ما لي ولك يا امرأة؟1 لم تأتِ ساعتي بعد.2. (فقالت أمّه للخدم مهما قال لكم فافعلوه) (ما الصّلة بين هاتين الفكرتين الغير مكتملتين؟) كيفَ وصلنا في النص الى قول أم يسوع: مهما قالَ لكم فافعلوه. (الصعوبة تكمن في قول يسوع لأمّه هذا الكلام وأمّه تردّ عليه بالنقيض) هناك شيء ناقص. الحلّ هو في النوع الأدبي الذي يرتبط باللغة اليونانيّة:

« 3bΚαὶ ὑστερήσαντος οἴνου λέγει ἡ μήτηρ τοῦ Ἰησοῦ πρὸς αὐτόν· οἶνον οὐκ ἔχουσιν. 4[καὶ] λέγει αὐτῇ ὁ Ἰησοῦς· τί ἐμοὶ καὶ σοί, γύναι; οὔπω ἥκει ἡ ὥρα μου. 5λέγει ἡ μήτηρ αὐτοῦ τοῖς διακόνοις ὅ τι ἂν λέγῃ ὑμῖν ποιήσατε ».
وهو أحد الحلول التي أعطيت لهذا النقيض.
في اللغة اليونانيّة، قديماً، ليس هناك علامات استفهام، أو علامات وقف .. أدبيًّا ولغويًّا يمكننا القول أنّ الآية لم تأتِ ساعتي بعد، تحمل وجود علامة استفهام في نهايتها. وعندها يمكن فهم هذه الآية في مكانها.
(يوحنّا معظم الأحيان يستعمل سؤالين متتاليين، وبالتالي تصبح الآية صحيحة هكذا: ” ما لي ولك يا امرأة؟ 1، ألم تأتي ساعتي بعد.2″

المشكلة الأكبر هي كيفيّة العبور من هذه الآية الى ما بعدها: ما لي ولك يا امرأة؟ أي ما هي العلاقة بيني وبينكِ يا امرأة؟  فإذا كانت العلاقة بين أم وابنها، فهو لا يتبع ساعتها، لذلك يسألها ما لي ولك يا امرأة. أمّا إذا غيّرت العلاقة بينهما، أي أنّها أصبحت تتبع ساعته وبذلك تصبح حوّاء الجديدة، أو الحياة الجديدة (المؤمنة الجديدة)، فعندها لم تعد العلاقة بشريّة بل علاقة جديدة مع أمّ للكنيسة جديدة (ولادة جديدة) السّاعة هنا تغيّرت، تغيّر المفهوم عن السّاعة. (السّاعة أصبحت ساعة ولادة يسوع الجديدة، وليس الولادة الجسديّة).
1-     وكيل المائدة ذهبَ الى العريس الذي أبقى الخمرة الجيّدة الى الآن. لكن في البداية عرفنا أنّ يسوع هو الذي حوّل الماء الى خمر، إذاً يسوع هو الذي أبقى الخمرة الجيدة الى الآن،وهكذا يسوع هو العريس بالمعنى العميق، إذاً الوكيل يتكلّم مع يسوع (العريس الجديد).

2-      متى تحوّل الماء الى الخمر؟ المفسّرون وجدوا كلمة تكرّرت مرّتين بنوا عليها لاهوتهم. الكلمة هي “الآن”. نقطة التحوّل اذاً هي عند قول يسوع “الآن”.

خلاصات لاهوتيّة:

– الخلاصة اللاهوتية للنص: معنى النّص يرتبط بالصّليب، أي ما فعله يسوع من تحويل الماء الى الخمر، لا يُفهَم إلاّ على ضوء الصليب.
3-     الخلق الجديد: تأتي هذه الفكرة من اليوم السابع، من فكرة يا امرأة (الكلمة التي استعملها آدم لامرأته حوّاء، لذلك نقول عن يسوع  أنّه آدم الجديد، ومريم حوّاء الجديدة).
4-     السّماء مفتوحة التي تعبّر عن فيض الخيرات المتمثّلة بالخمرة. وهذه الخيرات تذكّرنا بالزمن المسيحاني الذي أصبح حاضراً بكميّة الخمرة الفائضة (فيض الخيرات المنتظرة في العهد القديم).
5-     الأجران الموضوعة التي تملئ بالمياه لتطهير اليهود(الوضوء قبل الطعام…)، هذا التطهير لم يعد مع يسوع بالماء بل بالخمر، أي أصبح بالشرب وليس عبر اليدين. والمعنى العميق هو أنّ التطهير يصبح داخلياّ، مكان تطهير داخلي (تطهير النفس). وليس عبر الممارسات الخارجيّة التي ليس لها معنى.
6-     “إرميا 31 + حزقيال 36″، ” حزقيال 31: 31- 34 “: الله قام بعهدٍ جديدٍ مع شعبه، ( العهد الجديد والعلاقة الجديدة مع الرب )، يسوع نزع قلب الحجر ( الأجاجين) وزرع مكانه قلباً من لحم. (ليس من حجر كما كانوا يفعلون بقطع العهد). إذًا، هذا النّزع للقلب الحجر هوما فعلهُ يسوع بالتطهير، القلب أصبحَ يقتني الخمرة الجديدة، أو اللحم (جسد الرب + الدم) بآدم الجديد مع الخمرة الجديدة، (قمّة الخلق في اليوم السابع، توجد هنا).
7-     ملاحظة مهمّة: كان الله هو العريس حين كان يتم الكلام عن علاقة الله بشعبهِ قديماً، كعلاقة عريس مع عروسته التي كانت تخونه أحياناً مع البعل، والذي يقطع العهد مع الله كان بمثابة الزاني.
اذاً يسوع هو عريس جديد ( البعل الجديد) بانتظار عروسته الشعب الجديد الذي يرتكز على الايمان .” فآمنَ بهِ تلاميذه = شعب جديد آمن + انطلاقة جديدة” .
ملاحظة: اليوم الثالث له معنيين:

الأوّل: ختام اليوم السّابع
الثّاني: ارتباطه بالقيامة

تأمل في النص:

إنّ نص عرس قانا الجليل يحمل ثقلاً كبيرًا في إنجيل يوحنّا.
بداية، لا بدّ من إبطال التفسير الشعبي لمعجزة تحويل الماء إلى خمر، وهو أنّ يسوع عمل المعجزة ” كرمال الماما “.
عمل يسوع هذه المعجزة في اليوم الثالث، بداية انطلاقة الكنيسة، وتكوين جماعة الرسل.
في هذا النص نجد مشكلة نفاذ الخمر، وهي مشكلة كبيرة بالنسبة لعرس (الخمر كان لأوقات العيد والفرح…وعندما يخلص الخمر، أي يخلص الفرح). أمّا العرس، فالإنسان يستعدّ له منذ طفولته، وبعد أن ينتهي، يبقى الإنسان يعيش على ضوئه.
نجد في هذا النص، أنّه في أوج العرس ينتهي الخمر، أي ينتهي الفرح، وهذه هي حالة الإنسان بشكل عام…الإنسان مهدّد بأيّ لحظة أن ينتهي فرحه، فرح الحياة على أثر إصابته بمرضٍ ما، أو خيانة، أو فشل…وهكذا يلجأ الإنسان إلى الرب، ولكن أحيانًا كثيرة، ليس ليطلب الشفاء، بل ليعاتبه…. وهذا ما يسمّى بالتديّن الطبيعي الذي يعيشه غالبيّة الناس. (هو ما نراه في البوذيّة، والدين الإسلامي، وحتّى في المسيحيّة الإسميّة…فما فعله محمّد هو تنظيم التديّن الطبيعي الذي فيه يبحث الإنسان عن إله قوي، يُخفّف من آلامه ساعة يشاء، ويحقّق أحلامه فقط).

في التديّن الطبيعي، يبحث الإنسان عن الله لكي يعطيه القوّة، والغلبة على الضعف، فيعمل ما يرضيه لتهدئة غضبه…وهو ما كان سائدًا في العهد القديم، حيث كان هنالك كاهن أو وسيط يقدّم لهذه الغاية الذبائح عن الشعب.
لقد نقض يسوع هذه العلاقة مع الله نقضًا كلّيًا، ليقول لنا بأنّه ليس الإنسان هو من يفتّش عن الرب يسوع أو عن الله، بل أنّ يسوع هو من يفتّش عن الإنسان، وليس هناك من وسيط بيني وبينكم.
وموقف مريم الأوّل، كان يحمل في طيّاته صورة التديّن الطبيعي، فتأتي إلى يسوع لتقول له ” ليس لديهم خمر” (أنا أم السيّد)، وكأن يسوع بقولها لا يهتم بالإنسان. فقال لها يسوع ” ما لي ولك يا إمرأة، لم تأتي ساعتي بعد”، بمعنى شو بيني، وبينك…ويسوع سيقول لنا نفس الجواب في كلّ مرّة نأتي إليه في عقليّة التديّن الطبيعي.
الكلمة المفتاح في النص هي: ” لم تأتي ساعتي بعد “. ونقرأ في إنجيل يوحنّا القول التالي: لمّا حانت الساعة (يوحنّا يستعمل عبارة الساعة كساعة صلب يسوع، ساعة موته، ساعة قيامته، ساعة تمجيده بشكل متوازٍ) لكي ينتقل من هذا العالم إلى الآب، أحبّ خاصّته، وأحبّهم حتّى النهاية.  وهو الذي كان عند الآب، فلماذا أتى؟؟
لقد ترك يسوع حضن الآب لكي يبحث عن الإنسان الذي ترك أباه السماويّ، وراح يفتش عن حضن آخر. (الساعة هي ساعة الرجوع إلى حضن الآب).
وهكذا يريد يسوع أن يقول لمريم، أريد يا امرأة (امرأة= أم المؤمنين، على مثال ابراهيم أبو المؤمنين)، أن أُرجِع الإنسان إلى حضن الآب، حيث لا سعادة، ولا فرح، ولا حياة، إلاّ بالرجوع إليه. ( لا يريد يسوع أن يعمل عجائب يريدها الناس، لذلك كان يهرب في مثل هذه الأوقات). ملاحظة: كلام
الحياة الأبديّة= كلام حبّ الله

 

الله المحبّة، لأنّه هو وحده الحياة، يعرف أنّه خارجًا عنه، أو في البعد عنه، ليس هناك حياة. فلا حياة ولا سعادة، إلاّ في محبّة الله ” تركوني أنا ينبوع الماء الحي، وحفروا لأنفسهم آبار مشقّقة”.
إذّا ساعة يسوع هي ساعة عودة الإنسان إلى أبيه السماوي. فساعة يسوع بالنسبة إلى الآب هي حاضرة لا ينقصها إلاّ موقف الإنسان وجوابه. وطالما أنّ الإنسان يرفض الساعة، فالساعة لن تتم ” خلقتنا يا رب، بدون إرادتنا، ولكن لا تستطيع أن تخلّصنا من دون إرادتنا”.

وهكذا يأتي قول مريم للخدم كالتالي:” مهما قال لكم فاعلوه “…فمريم التي قالت أثناء بشارة الملاك لها:” أنا أمة (خادمة) الرب، فليكن لي بحسب قولك”… ومعنى ذلك، ليس نعم بمعنى، أي فهمت، ولح أعمل…بل المعنى الصحيح هو: نعم، لقد قبلت يا رب أن أعمل في الذي أنت تريده… هي من اكتشفت محبّة الله لها… (لقاء إرادتين= لقاء قوّتين).
من هنا نقدر أن نفهم المعنى الصحيح للتسليم…

أنّه لا يُلغي حريّة الإنسان، بل إنّه التقاء حرّيتين، وإرادتين…حريّة الإنسان وإرادته، مع حريّة الله وإرادته. أنا عندما أكتشف محبّة الله، أسمح له بأن يشاركني حياتي، هذا الله هو أب يسوع المسيح، الأب الذي يعرف ما يريده أبناءه…إنّه يحبّهم، وهو يريد لهم الأحسن، والأعظم، وهو مشاركته في حياته. وهكذا عليّ أن أكون مثل الخادم، أن أسمح للسيّد أن يعمل فيّ إرادته. مريم تذكّرت ساعة البشارة (فليكن لي بحسب قولك)، فذهبت إلى الخدم لتقول لهم” افعلوا ما يقوله لكم”، أي لكي تعلّمهم كيف يستسلمون لابنها. وقد فعلت ذلك أمام الرسل لكي تعلّمهم معنى الاستسلام الحقيقي للسيّد الرب يسوع المسيح. وهذا هو باختصار دور مريم.
لا يريد الله أن يعطي النعم العديدة فحسب، بل أن يعطي النعمة الأكبر، وهي اعطاء ذاته، ومع هذه النعمة، تعطى كل النعم.” اطلبوا ملكوت الله أوّلاً، وكل شيء يُزادُ لكم”. (الله ملأ مريم نعمة = ملأها من ذاته). وعطيّة الله هي عطيّة حبّ مجانيّة، ومريم فهمت، فأجابت. بعدئذ ذهب الخدم لملأوا الأجران التي كانت للتطهير، وعددها ستّة، وهو عدد ناقص، عكس عدد سبعة الذي هو عدد الكمال، أي لا تستطيع الشريعة أن تطهّر الإنسان من خطاياه، وتبرّره. أمّا يسوع الذي يقول للإنسان، ارجع إليّ حتّى أرويك، فبدمه المسفوك على الصليب فقط يتبرّر الإنسان. وهكذا يتحوّل الماء إلى خمر، والخمر هو رمز لدم يسوع المسيح الذي سُفك لأجلنا حتّى لا نموت بخطايانا، فبه وحده خلاصنا وتطهيرنا من خطايانا، دم يسوع هو اكسير الحياة التي بحث عنه الشعوب.
فماذا إذًا كان دور مريم؟

يُختصر دورها بالرسول، ودور الرسول، هو مساعدة الإخوة، والإنسان بشكل عام، لكي يعمل خطوة باتجاه الله الآب. إنّه دورُنا، فنحن مدعوّين أن نكون رسلاً، نساعد الإنسان بلحظتها أن يخطو خطوة، حتّى تأتي الساعة (باليوناني kairos)، (ساعة الخلاص حاضرة الآن)، وهكذا ينتقل الإنسان من هذا العالم، إلى حضن الآب. ومن الذي يعمل هذه الخطوة، إلاّ الذي يكون قد عمل من قبل خطوة الإيمان.
وإذا تأملنا جيّدًا في النص، لا نجد العريس، لأنّ العريس هو يسوع، ومع يسوع الخمرة دائمًا طيّبة (جواب على رئيس الخدم)، وكل يوم مع يسوع الخمرة تصبح طيبة أكثر.
أخيرًا، الله أحبّنا، قبل أن نحبّه، وحبّه لنا هو الحياة الأبديّة…والمسيحيّة ليست دينًا، بل إنّها لقاء الإنسان بيسوع الرب، لكي يوصلنا لله الآب الذي جعلنا أبناء له بالتبنّي بيسوع ابنه الحبيب.

الأب موكاب

عطش وحياة – تأمل مسيحي يروي العطش الروحي

www.LightBook.org ]