تأملات روحية

السنة الإيمانية للعودة إلى الجذور والتجدد

السنة الإيمانية للعودة إلى الجذور والتجدد

 

الإيمان في عالم اليوم

– انطلقت السّنة الإيمانيّة التي أعلنها قداسة البابا بنديكتوس السّادس عشر في البراءة الرّسوليّة “باب الإيمان” في الحادي عشر من الشّهر المنصرم، بمناسبة الذّكرى الخمسين لافتتاح المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، وأطلقت معها دعوةَ-عودةٍ متجدّدة إلى جذور الإيمان بالرّبّ يسوع المسيح مخلّص العالم الأوحد، في زمن تختبر فيه البشريّة مرحلة جديدة من تاريخِها الحافل، مفعمة بتغييرات كبيرة وسريعة، تمتدُّ شيئا فشيئا إلى كلّ الأقطار، يسبّبها الإنسان بفضلِ ذكائه الثّاقب وعمله المبدع من دون الانتباه إلى إمكانيّة ارتدادها عليه، وعلى أحكامِهِ ورغائبهِ الشّخصيّة والجماعيّة، وذهنيّته وأفعاله، ممّا قد يُحدث تبديلا عالميّا جذريٍّا من النّاحيتين الثّقافيّة والاجتماعيّة يكون له الأثر الواضح – بطبيعة الحال- على الحياة الدّينيّة[1].

إنّ موضوع الإيمان في الواقع، ليس بجديد؛ وفي حديثنا عنه الذي نتداوله مرارا وتكرارا، على حدّ قول اللاهوتي الألمانيّ الشّهير كارل رهنر (Karl Rahner) ربّما نقع ببعض الملل الفكريّ جرّاء سماع العبارات عينها، والأفكار ذاتها، والنّصوص نفسها، فنشكو ممّا أسماه في أحد كتبه، رتابة الصّيغ اللاهوتيّة التي لا تحصى routine des innombrables formules théologiques” “la، والوصفات الخلقيّة التيّ طالما تلقنّاها وتلقّيناها من دون أن نفهمها في أغلب الأحيان[2].

السنة الإيمانية للعودة إلى الجذور والتجدد

السنة الإيمانية للعودة إلى الجذور والتجدد

لأجل ذلك، لم يعد من الجائز لنا أبدا في عصر العلم والتّكنولوجيا العملاقة، عدم الشّروع في إتقان لغة عالم اليوم و”مسحنتها” بغية استخدامها كوسيلة تواصل إيمانيّ عصريّ مع أبناء هذا الجيل، في سبيل “أنجلة” جديدة تحمل المسيح المخلّص إلى كلّ إنسان نلتيقه.

 

1. تعريف الإيمان بالمطلق

الإيمان في معناه الواسع، طاقة فطريّة هائلة، تولد مع الإنسان وتميل به إلى أبعد من المنظور والمحسوس؛ لكنّها قد تحتاج واقعيّا إلى بسط شراعها في الإتّجاه الصّحيح. أمّا في معناه الضّيق، فهو هبة من الله، بالفضيلة فائقة الطّبيعة يزرعها الخالق في قلب الإنسان، ثمّ محاولة التصاق هذا الأخير به التصاقا شخصيّا، عبر حياة روحيّة عميقة، والقبول الحرّ لكلّ الحقيقة التي أوحى الباري بها. فهو بإيجاز، عطيّة من الله وفعل إنسانيّ أصيل[3]، على قاعدة الكاتب التشيكيّ فرانز كافكا (Franz Kafka): “يهب الله الجوز، لكنّه لا يقشّره”.

 

2. الإيمان المسيحيّ

انطلاقا من المفهوم الواسع للإيمان تؤكّد الكنيسة الكاثوليكيّة أنّه عطيّة من الله على ما جاء في العهد الجديد بفم رسول الأمم “بنعمة الله نلتم الخلاص بالإيمان. فما هذا منكم بل هو هبة من الله” (أفسس 2: 8). و”هو الوثوق بما نرجوه وتصديق ما لا نراه…” (عب 11: 1). كلمة حياة هو، تُتناقل وتنتشر وتنمو بالنّعمة والحكمة، لأنّ “الإيمان من السّماع” (رومية 10: 17)…

ربّما لم نذهب إلى الصّين قطّ، ولكننا نعلم أنّها موجودة؛ ونحن لم نذهب إلى السّماء بعد، فيما نعرف أنّها موجودة! و”طوبى لمن آمن ولم يرَ” (يو 20: 29) قالها يسوع…
أمّا ما يميّز الإيمان المسيحيّ عن الإيمان عموما، فهو أنّه إيمان بالآب وبمن أرسل؛ أي بيسوع المسيح الذي قال: “أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي أيضا” (يو 14: 1)… “الله لم يره أحد قط. الإبن الوحيد الذي في حضن الآب هو أخبر” (يو 1: 18)…

” آمنوا بالنّور ما دام لكم النّور، فتكونوا أبناء النّور” (يو 12:36)… “آمن بالرّبّ يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك” (أعمال 16: 31). ثمّة ضرورة قصوى للإيمان بيسوع المخلّص لأجل الحصول على الخلاص[4]. والإيمان بالسّيّد المسيح من دون الإيمان بروحه وروح الآب أي الرّوح القدس أمر غير ممكن من النّاحية الإيمانيّة المسيحيّة.
إذ “لا يعلم أحد ما في الله إلاّ روح الله” (1 كور 2: 10-11)؛ ولا يستطيع أحد أن يقول يسوع ربّ إلاّ بالرّوح القدس” (1 كور12: 3).

فهو إذاً، إيمان بالله الواحد والثّالوث، يجب التّعبير عنه بالأعمال الحسنة، إذ “كما أنّ الجسد بلا روح ميت، كذلك الإيمان بلا أعمال ميت” (يعقوب 2: 26). وقد استوقفت هذه المسألة الأديب والشّاعر الفرنسيّ فيكتور هيغو (Victor Hugo)إذ كتب: “أفعالنا تصنعنا أو تفسدنا، فنحن أبناء أعمالنا”.

زينيت

::: السنة الإيمانية للعودة إلى الجذور والتجدد

www.LightBook.org ]