يا رب ساعدني أن أرى نواحي الخير كلها وعلمني أن أحب الناس
يا رب ساعدني أن أرى نواحي الخير كلها وعلمني أن أحب الناس كما أحببتني – صلاة القديس فرنسيس الأسيزي
مقدمة
هذه الصلاة العميقة المنسوبة إلى القديس فرنسيس الأسيزي هي واحدة من أروع صلوات التسامح والمحبة والتواضع في التراث المسيحي. القديس فرنسيس عاش حياة بسيطة مليئة بالمحبة للجميع حتى الطبيعة والحيوانات، وكان مثالاً في العفو والتسامح مع كل من أساء إليه.
هذه الصلاة تعلمنا أن نرى نواحي الخير كلها حتى في أحلك الظروف وأصعب العلاقات الإنسانية. كما تعلمنا أن نحب الناس كما أحبنا الله، وأن نحاسب أنفسنا بدلاً من إدانة الآخرين. لنبدأ معًا هذا التأمل الجميل في كلمات هذه الصلاة العظيمة التي غيرت حياة الملايين عبر العصور.
يا رب ساعدني أن أرى نواحي الخير
يا رب لا تنسـاني فإنـي حـزين أضـئ علي بنورك واغـمرني برحمتك واحكم لي وانتقم لظلمتي. نجينـي مـن المظالم لأنك عـزي. لا تبعد عني لئلا امشي مهموما يضطهدني عدوي، وأرسل نورك وعدلك ليهدياني إليك. وأشعرني برضاك علي قبل الموت لتمضي نفسي واثقه. اجعل لي يا رب نصيبا في أرض الأحياء، وأشرق علي بنورك وجهك العتيد أن يكون معنا.
يا رب ساعدني أن أقول الحق في وجه الأقوياء، وساعدني أن لا أقول الباطل لأكسب تصفيق الضعفاء. يا رب إذا أعطيتني مالا احفظني من شره وإذا أعطيتني قوة فامنحني نورا ساطعا لعقلي. وإذا أعطيتني نجاحا فأعطني معه تواضعاً. يا رب ساعدني أن أرى نواحي الخير كلها. ولا تتركني أتهم خصومي بالشر لأنهم ليسوا من رأيي. يا رب علمني أن أحب الناس كما أحببتني. وعلمني أن أحاسب نفسي دون أن أدين الناس. يا رب، لا تدعني أصاب بالغرور إذا نجحت.
ولا أن أصاب باليأس إذا فشلت. يا رب، علمني أن التسامح هو أسمى مراتب القوة. وأن حب الانتقام هو أول مظاهر الضعف. يا رب إذا جردتني من المال أترك لي الإيمان. وإذا جردتني من النجاح اترك لي الأمل. وإذا جردتني من نعمة الصحة أترك لي نعمة التعزية. يا رب إذا أسأت إلى الناس أعطني شجاعة الاعتذار. وإذا أساء إلي الناس أعطني شجاعة العفو. يا رب إذا نسيتك لا تنسني. آمين.

صلاة فردية
يا رب أومـن بك وبقدرتك أومن بوحدانيتك أومـن بقوتك وأومـن بعفوك لا تهملني من رجاء رحمتك بل وطد فيَّ محبتك لكي أجثو لك ساجدا بالروح والحق. يا رب نظرت عيناي شرورا تحت الشمس وفي وضح النهار ما زال الكثير من أبنائك ينكرونك وينكرون خلاصك. ما زال البائسون يتسولون القمامة ولا من يطعمهم ما زال بعض أبنائك يريدون ربا على هواهم مـا زال الغني يزداد غنى ولا يدري أن بجيبه مال ظلم ليس له بل جزء من هذا المال لبيتك ولإخوتك الصغار.
مـا زال أهل رب السلام وسيد السلامة يبحثون عن السلام خارج قدرتك بل ويتسولونه من الناس والأقوياء. ما زالت البيوت التي تكرست لاسـمك أن تُعبَد فيها شبه خاوية ولا يدري الناس الكثيرين أنها جبل الله وموضع حلول قدسه. مـا زال الإخوة متخاصمين وأعداء لا يترددون في الوقوف خصوما أمام المحاكم المدنية على توافه الأمور.
يارب استمع لنا
يـا رب ماذا حصل في هذه الدنيا؟ أسير الوقت خارج الوقت؟ أتسير الدنيا إلى وراء لقد اكتنفت غيوم سوداء نفسي تشاءمت من هذه الحياة وأنا أرى رحـمتك ترتفع عن هذا العالم رويدا رويدا.
يا رب ألا تستمع لنا أم أننا نرفع إليك أيد غير طاهرة فتشيح بوجهك عنا؟ نعم تذكرت صاحب المزامير حين صرخ (ها أنذا بالآثام حُبل بي وبالخطايا ولدتني أمي) لكني أتذكر أن رحمتك سبقت غضبك وتذكرت دم ابنك الوحيد يقف بيننا وبين غضبك فأرفع يديَّ واثقا وأتجاسر أن أصرخ وأناديك عظيم أنت يا رب وعجيبة أعمالك وليس من كلام يفي بتسبيحك فيخرس لسـاني ولا يجد ما ينطق به أمامك.
وتذكرت أني بحاجة لروحك القدوس ليضع الكلام على لساني وقلبي التعس لأنادي صارخا يا رب رٌُحماك بهذا العالم المائج المضطرب بأتون نار إبليس رُحماك بأبنائك الذين يرجون اسمك ويرجون رحمتك لا تبتعد عنا فنحترق بآثامنا ونموت بخطايانا.
يا رب ساعدني أن أرى نواحي الخير كلها وعلمني أن أحب الناس
يا ربي وإلهي أراك حولي كل حين لا ترذلني من رجاء رحمتك فهي قمة ما أرجو حتى مماتي أصلح الرؤساء الزمنيين والروحيين وطد سلامك أولا في قلوب خائفيك وجعل المؤمنين بك نورا في ظلام هذا العالم ارحم من ترحم وترائف على من تترائف وبين للعالم قدرتك.
يا رب اذكر مراحمك فهي منذ البدء ولا تنسى كم صلى ابنك الحبيب لأجلنا عندما تجسد وعاش بيننا وشابهنا في كل شيء عدا الخطيئة أناشدك بدماء الشهداء الذين ضحوا بحياتهم لمجد اسمك ولم ينكروك أن تعود رحمتك علينا وعلى عالمك وأن ترد البعيدين لأحضان بيتك وتظهر بقوتك علانية ليدرك العالم أنك موجود تسمع دعاء الداعين نحو عرش قدسك.
أُبارك عزتك وأقول خلص يا رب شعبك وبارك ميراثك وامنح سلامك لنا سبحانك في عُلاك استمع لي أنا عبدك غير المستحق واسمع صراخي بصلوات أمك الطاهرة والقديسين الذين أرضوك جيلا بعد جيل لا ترذلني ولا تتركني فأنا عبدك وابن أمتك أطلب كل ما أطلب لا لنفسي بل لعالمك أجمع ولجلالك كل المجد إلى الأبد آمين.
1. يا رب ساعدني أن أرى نواحي الخير كلها
هذه الافتتاحية العظيمة للصلاة تضع البرنامج الكامل للحياة المسيحية في جملة واحدة بسيطة وعميقة. يا رب ساعدني تعني أن رؤية الخير ليست أمراً طبيعياً في الإنسان الساقط، بل هي حاجة إلى معونة إلهية يومية. أن أرى نواحي الخير كلها تعني أن الخير ليس في جهة واحدة أو في نوع واحد من الناس أو الظروف فقط. كثيرون يرون الخير فقط حيث يناسبهم أو حيث يتفق مع رأيهم ومصالحهم الشخصية الضيقة.
القديس فرنسيس طلب أن يرى الخير في كل مكان وفي كل شخص، حتى في أعدائه ومن يختلفون معه في الرأي. هذه الرؤية هي ثمرة النعمة وحدها، ولا يمكن لأي جهد بشري أن ينتجها بدون عمل الروح القدس في القلب. اطلب هذه الرؤية اليوم، وستبدأ العالم من حولك يتغير أمام عينيك بشكل جذري ومذهل.
2. أضئ علي بنورك واغمرني برحمتك
هذه العبارة تكشف عن إدراك عميق أن الإنسان بدون نور الله يعيش في ظلام دامس لا يرى فيه طريقه ولا نفسه. أضئ علي بنورك تعني أن ظلام العالم الخارجي ليس أخطر من ظلام القلب الداخلي الذي يحتاج إلى شعاع من السماء لينكشف. واغمرني برحمتك تعني أن القديس فرنسيس لا يطلب رحمة صغيرة محدودة، بل يطلب فيضاً غامراً من الرحمة يغطي كل ذنوبه وتقصيراته.
عندما يجتمع نور الله ورحمته معاً، يصير الإنسان قادراً على رؤية نفسه كما هي وعلى رؤية الآخرين بعين المحبة لا بعين الحكم. النور يكشف العيوب، والرحمة تغطيها، وهما معاً يصنعان قلباً جديداً قادراً على المحبة الحقيقية. اسأل الله اليوم أن يضيئك بنوره ويغمرك برحمته، لأنك لن تستطيع أن ترى الخير بدونهما مهما حاولت.
3. لا تبعد عني لئلا امشي مهموماً
هذه الصلاة تعبر عن خوف عميق من ابتعاد الله، لأن القديس يعرف أن الحياة بدون حضور الله تصير جحيماً لا يطاق. لا تبعد عني تعني أن أخطر شيء يمكن أن يحدث للإنسان ليس الفقر أو المرض أو الفشل، بل شعوره بأن الله قد تركه وابتعد عنه. لئلا امشي مهموماً تعني أن الهم والاكتئاب والقلق هم النتيجة الطبيعية لغياب الإحساس بقرب الله وحضوره الدائم. كثير من الناس يعانون من الهموم المزمنة ليس لأن ظروفهم صعبة، بل لأنهم فقدوا الاتصال الحي مع منبع السلام والطمأنينة الحقيقي.
القديس فرنسيس يعرف أن وجود الله معه هو الدواء الوحيد لكل هموم الحياة، وأي دواء آخر هو مجرد مسكن مؤقت لا يعالج الجذر الحقيقي للمشكلة. اطلب من الله ألا يبتعد عنك لحظة واحدة، وستجد أن همومك مهما كثرت تصبح محتملة وخفيفة بوجوده القريب منك.
4. ساعدني أن أقول الحق في وجه الأقوياء
هذه العبارة من أجرأ العبارات في الصلاة، لأنها تطلب شجاعة نادرة في عالم يحكمه الخوف من أصحاب السلطة والنفوذ. ساعدني أن أقول الحق في وجه الأقوياء تعني أن قول الحق ليس بالأمر السهل خاصة عندما يكون السامع قوياً يمكن أن يؤذيك أو يضر بمصالحك. كثير من الناس يعرفون الحق لكنهم يخافون من قوله، فيختارون الصمت أو المجاملة أو حتى الكذب لحماية أنفسهم من غضب الأقوياء.
القديس فرنسيس يطلب من الله أن يمنحه شجاعة خارقة تتجاوز الخوف الطبيعي الذي يسكن في كل إنسان. الحق لا يحتاج إلى قوة بشرية ليقف على قدميه، بل يحتاج إلى شجاعة إلهية من يقول به دون تردد أو خوف من العواقب. صلّ اليوم من أجل هذه الشجاعة، لأن العالم يحتاج إلى شهود للحق أكثر من حاجته إلى أي شيء آخر في هذا الزمان المضطرب.
5. لا أقول الباطل لأكسب تصفيق الضعفاء
هذه العبارة تكمل السابقة وتظهر أن الخطر لا يأتي فقط من الأقوياء بل أيضاً من رغبتنا في إرضاء الضعفاء والحصول على تصفيقهم. لا أقول الباطل تعني أن قول الباطل خطيئة سواء كان القائل قوياً أم ضعيفاً، والسامع قوياً أم ضعيفاً على السواء. لأكسب تصفيق الضعفاء تعني أن إغراء الحصول على استحسان الآخرين وحبهم وتصفيقهم يمكن أن يكون أقوى من إغراء الخوف من الأقوياء.
الضعفاء قد يصفقون لك لو قلت لهم ما يريدون سماعه، حتى لو كان هذا الكلام بعيداً عن الحق تماماً. القديس فرنسيس يطلب أن يكون مخلصاً للحق حتى لو كلفه ذلك فقدان محبة الناس وتصفيقهم وإعجابهم الزائف. الحرية الحقيقية هي أن تقول الحق ولا تحتاج إلى تصفيق أحد، لأن تصفيق الضمير الصالح مع الله أغلى من تصفيق العالم كله.
6. إذا أعطيتني مالاً احفظني من شره
هذه الصلاة تعكس حكمة عميقة في التعامل مع المال الذي يعتبره الكثيرون أعظم نعمة يمكن أن يحصل عليها الإنسان. إذا أعطيتني مالاً تعني أن القديس فرنسيس لم يعتبر المال شراً في حد ذاته، بل هو نعمة من الله يمكن أن تستخدم للخير أو للشر. احفظني من شره تعني أن الخطر الحقيقي ليس في المال نفسه، بل في القلب الذي يملك المال وكيفية تعامله مع هذه الأمانة الثقيلة.
المال يمكن أن يفسد القلب، يزرع الكبرياء، يبعد صاحبه عن الله، ويجعله يعتمد على قوته المالية بدلاً من الاعتماد على الله الحي. القديس الفقير الذي ترك كل شيء ليتبع المسيح يعرف أن المال سلاح ذو حدين، ويحتاج إلى حفظ إلهي خاص حتى لا يصبح لعنة بدلاً من أن يكون بركة. إذا أعطاك الله مالاً، اطلبه أن يحفظك من شره قبل أن تطلب أي بركة أخرى منه.
7. إذا أعطيتني نجاحاً فأعطني معه تواضعاً
هذه العبارة من أعمق العبارات في الصلاة، لأنها تدرك أن النجاح قد يكون أخطر على الروح من الفشل نفسه. إذا أعطيتني نجاحاً تعني أن القديس فرنسيس لا يرفض النجاح، بل يطلبه إذا كان في مشيئة الله أن يعطيه إياه. فأعطني معه تواضعاً تعني أن النجاح بدون تواضع هو سم قاتل للروح، يدمر الإنسان من الداخل بينما العالم كله يصفق له من الخارج.
كثير من الناس نجحوا في الحياة لكن نجاحهم دمرهم روحياً لأنهم لم يعرفوا كيف يحملون ثقل النجاح بتواضع وشكر لله. النجاح الحقيقي هو أن تنجح ولا يغيرك النجاح، وأن تبقى متواضعاً كما كنت قبل النجاح، بل أكثر تواضعاً لأنك تعرف من أين أتتك هذه النعمة العظيمة. اطلب التواضع مع النجاح، لأنه بدونه يصير النجاح هزيمة كبرى للروح لا يعلم بها إلا الله وحدك.
8. علمني أن أحب الناس كما أحببتني
هذه العبارة هي قلب الصلاة النابض، وأعلى ما يمكن أن يطلبه إنسان من خالقه في هذه الدنيا. علمني أن أحب الناس تعني أن المحبة ليست غريزة طبيعية في الإنسان الساقط، بل هي وصية تحتاج إلى تعليم وتدريب مستمر من الله نفسه. كما أحببتني تعني أن معيار المحبة ليس حبي أنا للآخرين، وليس حب الآخرين لي، بل محبة الله لي على الصليب وفي كل يوم من حياتي. محبة الله لنا كانت بلا شروط، بلا حدود، بلا انتظار مقابل، بلا انتقام، بلا حساب للخطايا مهما كثرت وتكررت.
أن تحب الناس كما أحبك الله يعني أن تغفر كما غفر لك، وأن ترحم كما رحمك، وأن تعطي كما أعطاك، وأن تسامح كما سامحك. هذه المحبة مستحيلة بقوة البشر، لكنها ممكنة بمعونة الروح القدس الذي يفيض محبة الله في قلوب من يطلبونها. اطلب هذه المحبة اليوم، وسترى كيف ستتغير كل علاقاتك وكل حياتك بشكل لا يتخيله العقل البشري العادي.
9. علمني أن أحاسب نفسي دون أن أدين الناس
هذه العبارة تعلمنا الفرق الجوهري بين محاسبة النفس التي هي فضيلة، وإدانة الآخرين التي هي خطيئة مدمرة. علمني أن أحاسب نفسي تعني أن القديس يريد أن يكون قاسياً مع نفسه رحيماً مع الآخرين، وهذا هو عكس الميل الطبيعي في قلب الإنسان الساقط. دون أن أدين الناس تعني أن دينونة الآخرين ليست من اختصاصك أنت، بل هي حق لله وحده لأنه وحده يعرف القلوب والسرائر الخفية.
معظمنا يميل إلى محاسبة الآخرين بصرامة وإدانة أخطائهم بينما يتساهل مع نفسه ويجد أعذاراً لكل خطأ يرتكبه. القديس فرنسيس يطلب عكس ذلك تماماً أن يكون شديداً في محاسبة نفسه، واسع الصدر في قبول أعذار الآخرين. عندما تتعلم هذه الفضيلة، ستصير ثقيلاً على نفسك خفيفاً على الآخرين، وهذا هو سر السلام الداخلي والعلاقات الناجحة. ابدأ اليوم بمحاسبة نفسك قبل أن تنام، واسأل الله أن يريك عيوبك قبل أن يريك عيوب أي إنسان آخر في حياتك.
10. لا تدعني أصاب بالغرور إذا نجحت ولا باليأس إذا فشلت
هذه العبارة تطلب من الله حماية متوازنة من خطرين كبيرين يهددان كل إنسان في رحلة حياته. لا تدعني أصاب بالغرور إذا نجحت تعني أن النجاح أكبر فخ يمكن أن يقع فيه الإنسان لأنه يجعله يظن أنه أفضل مما هو عليه حقاً. ولا باليأس إذا فشلت تعني أن الفشل خطر آخر لأنه يجعل الإنسان يظن أنه أسوأ مما هو عليه، ويفقده الثقة في قدرة الله على استخدامه.
بين الغرور واليأس طريق ضيق هو طريق التواضع الحقيقي الذي يرى نفسه كما يراها الله بعيداً عن التضخم أو التصغير. الناجح الذي لا يغرور والفاشل الذي لا ييأس هما شخص واحد الشخص الذي يعرف أن كل شيء نعمة من الله وليس استحقاقاً شخصياً من الإنسان. اطلب من الله هذه الحماية اليوم، لأن الغرور واليأس هما وجهان لعملة واحدة اسمها نسيان الله والاعتماد على النفس البشرية الضعيفة الخادعة.
11. علمني أن التسامح هو أسمى مراتب القوة
هذه العبارة تقلب المفاهيم البشرية رأساً على عقب، لأن العالم يعتقد أن القوة هي في الانتقام وإذلال الآخرين وإظهار التفوق عليهم. علمني أن التسامح هو أسمى مراتب القوة تعني أن من يتسامح هو الأقوى، ومن ينتقم هو الأضعف في الحقيقة رغم كل مظاهر القوة الظاهرة. التسامح يحتاج إلى قوة داخلية هائلة، لأن طبيعتنا البشرية تطلب الانتقام والثأر ورد الإساءة بمثلها أو أكثر. أما التسامح فيحتاج إلى قوة فوق طبيعية، قوة الروح القدس الذي يمكّن الإنسان من أن يغفر كما غفر له المسيح على الصليب.
العالم يظن أن القوي هو الذي يسحق خصومه، لكن المسيحي يعرف أن القوي الحقيقي هو الذي يستطيع أن يسامح دون أن يفقد كرامته أو يذل نفسه. التسامح ليس ضعفاً، بل هو القوة التي تنتصر على الشر بالخير وتكسر دائرة العنف والانتقام التي لا تنتهي أبداً بوسائل البشر وحدهم.
12. إذا نسيتك لا تنسني: أجمل ختام لصلاة متواضعة
هذه العبارة الختامية للصلاة هي من أضعف وأقوى الكلمات التي يمكن أن ينطق بها إنسان أمام خالقه في آن واحد. إذا نسيتك تعني أن القديس فرنسيس يعرف ضعف طبيعته البشرية وقدرتها على نسيان الله في لحظات الغفلة والانشغال بمتاعب الحياة. لا تنسني تعني أن الأمل الوحيد للإنسان ليس في ذاكرته القوية لله، بل في ذاكرة الله القوية والمخلصة لعبيده الضعفاء. الله لا ينسانا أبداً، حتى عندما ننساه نحن تماماً ونعيش كأنه غير موجود ولا يرى ولا يسمع ولا يهتم بنا.
هذه العبارة هي تجسيد لعقيدة النعمة المجانية التي قامت عليها المسيحية، لأن خلاصنا لا يعتمد على وفائنا لله بل على وفائه هو لنا. اصرخ بهذه العبارة كل يوم من أعماق قلبك “يا رب إذا نسيتك لا تنسني”، وثق أن الله يحفظك برحمته حتى في أعمق لحظات نسيانك له وضعف إيمانك به ورجوعك إلى طبيعتك البشرية الخاطئة.
التوصيات
- أولاً، صلِ هذه الصلاة يومياً وخاصة في أوقات الضيق والاحباط، لأنها تعيد تركيز قلبك على الله وعلى نواحي الخير.
- ثانياً، عندما تغضب من شخص أو تختلف معه في الرأي، تذكر عبارة “لا تتركني أتهم خصومي بالشر لأنهم ليسوا من رأيي”.
- ثالثاً، قبل أن تنتقد أي شخص، اسأل نفسك “هل أنا أحاسب نفسي أم أدين الناس؟” واختر محاسبة نفسك أولاً.
- رابعاً، في لحظات النجاح، صلّ “أعطني معه تواضعاً”، وفي لحظات الفشل، صلّ “لا تدعني أصاب باليأس”.
- خامساً، مارس التسامح العملي مع من أساء إليك، وقل لنفسك “التسامح هو أسمى مراتب القوة، والانتقام أول مظاهر الضعف”.
- سادساً، اختتم كل يوم بعبارة “إذا نسيتك لا تنسني” لأن تذكار الله لنا هو رجاؤنا الوحيد في هذه الحياة.
الخاتمة
هذه الصلاة العظيمة للقديس فرنسيس الأسيزي هي مدرسة متكاملة في الحياة المسيحية والمحبة الحقيقية والتواضع العميق. القديس فرنسيس عاش فقيراً ليكون غنياً بالله، وضعيفاً ليكون قوياً بروحه، ومتسامحاً لينتصر على أعدائه بالمحبة لا بالحرب. صلاته تعلمنا أن نرى نواحي الخير كلها حتى في أقسى الظروف، وأن نحب الناس كما أحبنا الله بلا شروط ولا حدود.
تعلمنا أن نحاسب أنفسنا بدلاً من إدانة الآخرين، وأن نبتعد عن الغرور في النجاح وعن اليأس في الفشل على السواء. فلنحفظ هذه الصلاة في قلوبنا، ولنرددها بأمانة كل يوم، ولنجعلها دستور حياتنا الذي يغيرنا ويغير العالم من حولنا إلى الأبد. يا رب إذا نسيتك لا تنسني، آمين.
المزيد من الصلوات
- صلاة القديسة تريزا الطفل يسوع مع الطلبة لنيل النعم والبركات
- صلاة مار شربل قديس المعجزات لطلب الشفاعة والنعم السماوية
- يا رب السما والأرض وخالق الحياة انتزع مني القلب الحجري
- صلاة حماية ضد محاربات الشيطان والرغبات الشريرة







