الوطن الذي تحول إلى مسرح كبير للتمثيل على الله والناس جميعًا

الوطن الذي تحول إلى مسرح كبير للتمثيل على الله والناس جميعًا

المقدمة

بعد صدمة العودة، وبعد معاناتي اليومية مع القلوب الميتة، اكتشفت السر الأكبر. هؤلاء ليسوا مجرد أناس فقدوا إنسانيتهم، بل هم فريق تمثيل محترف. كل واحد منهم يمسك بدور، يتقنه، يحفظه، يؤديه بأعلى مستوى من الإبداع. الأب يمثل الأبوة، الأم تمثل الأمومة، الأخ يمثل الأخوة، حتى رجال الدين يمثلون على الله في الكنائس والجوامع. تخيل أن تعيش في بلد لا تعرف فيه من هو الصادق حقاً، لأن الجميع يلبسون أقنعة. تخيل أن تجلس مع أهلك على مائدة العشاء، فتتساءل: من منكم يصدقني في هذه اللحظة؟ هذا ليس وطناً، هذا مسرح افتتاحي، وأنا الجمهور الوحيد الذي لا زال يبحث عن الكواليس.

الوطن الذي تحول إلى مسرح كبير للتمثيل على الله والناس جميعًا
الوطن الذي تحول إلى مسرح كبير للتمثيل على الله والناس جميعًا

1. البيت الواحد: مسرحية العائلة المقدسة

في بيتنا، كل فرد يؤدي دوراً. أبي يمسك دور “الرب الصارم الحنون”، يتحدث عن القيم والمبادئ، لكن خلف الأبواب المغلقة يتاجر بالصفقات المشبوهة. أمي تؤدي دور “الأم الحنون الضحّية”، تبكي وتشتكي وتحلف بالله أنها تريد الخير للجميع، لكن كلامها في الغيبة أسرع من الرصاص. إخوتي: واحد يمثل دور “الناجح المثالي”، وآخر يمثل دور “الفاشل المقهور” ليستعطف الجميع. جلست معهم ذات مساء، نظرت في وجوههم، أغلقت عيني للحظة، وتخيلت أن الستار سيسقط فجأة. عندها أدركت الحقيقة: لا يوجد ستار، هم يعيشون دورهم 24 ساعة. البيوت هنا ليست بيوتاً، هي كواليس عرض.

2. الإخوة والأخوات: خلف القبلات سكاكين

تقبيل الخدود في وطني ليس حباً، بل هو فحص أمني. كل قبلة تخفي تحقيقاً: من أين أتيت؟ ماذا تحمل؟ كم ربحت؟ بعد القبلات، تبدأ الغيبة. أخي الأكبر، الذي بكيت له في الغربة، رأيته بعيني يتصل بأخي الثاني بعد مغادرتي مباشرة ليسأل: “ماذا قال لك؟ كم معه من مال؟”. هؤلاء ليسوا إخوة، هم عملاء في جهاز استخبارات عائلي. كل معلومة تسجل، كل ضعف يستغل، كل فرصة تُغتنم. الأقسى أنهم لا يشعرون بالذنب. بالنسبة لهم، هذا هو التعامل الطبيعي. هذا هو “حب العائلة” بصورته الحقيقية. عندما انفجرت يوماً وقلت لهم “كفى تمثيلاً”، نظروا إلي وكأنني أتحدث بلغة المريخ.

3. الأصدقاء القدامى: ذئاب في ملابس حملان

عدت لألتقي بأصدقاء الطفولة. الرجال الذين لعبت معهم الكرة، بكيت معهم، شاركتهم حلويات العيد. في البداية، كانت اللقاءات أشبه بأفلام هوليوودية: عناق حار، دموع فراق مزيفة، وعود بالبقاء على التواصل. بعد أسبوع، اختفوا. لا مكالمات، لا رسائل. ثم سمعت بالصدفة أن أحدهم كان يسأل عني: “لماذا عاد؟ هل سرق من أوروبا؟ هل هو هارب؟”. عندها عرفت: هؤلاء ليسوا أصدقاء، هم مرآة مكسورة تعكس مخاوفهم هم لا حبهم لي. الصداقة هنا ليست علاقة، بل عملة تبادل، فإذا توقفت الفوائد، توقفت العلاقة. أكثر جملة آلمتني، قالها صديق قديم وأنا أسمعه يتحدث عني: “فلان عاد فاضي، ما فيه فايدة منه”.

4. الجيران: جنة الشائعات والنميمة

الجار هنا ليس من يحميك، بل من يراقبك. كل حركة تقوم بها تصبح خبراً في الإذاعة المحلية قبل أن تطفئ نور غرفتك. دخلت بيتي الجديد، بعد ساعة كانت كل النسوة في الحارة يعرفن أني اشتريت ستائر غالية. لم أستوعب كيف انتشر الخبر؟ أحد الجيران كان يقف خلف نافذته، يراقب كل صندوق يدخل. هؤلاء ليسوا جيراناً، هم فريق تصوير وثائقي لحياتك الخاصة. النميمة هي الرياضة الوطنية، والغيبة هي اللغة الأم. حاولت أن أكون ودوداً، ابتسمت، سلمت، لكن اكتشفت أن الابتسامة هنا تُفسر كدليل على الضعف، والكلام الطيب يُفسر كدليل على الغباء. في هذا المسرح، الجار الصامت هو الوحيد الذي لا زال يحترم نفسه.

5. المسؤولون: أكاديمية التمثيل العليا

لن أنسى مشهداً عشته بأم عيني. مدير في دائرة حكومية، يقف أمام المراجعين، يرفع صوته، يقسم بالله أن القانون لا يسمح، أن يديه مربوطتان، أنه يريد المساعدة لكن لا يستطيع. خرج المراجعون وهم يحمدونه على “حرصه”. دخلت أنا بعده، أغلق الباب، وضعت المال على الطاولة. في ثانية، تغير كل شيء. أصبح حنوناً، مرناً، القانون أصبح فجأة “يقبل التفسير”. هذا ليس مديراً، هذا ممثل من الدرجة الأولى. المسؤولون هنا يتقنون فن التمثيل أكثر من أي ممثل محترف. لكل موقف قناع، لكل زائر دور، لكل قضية سيناريو. الفرق الوحيد أن الجمهور (نحن) نعرف أنهم يمثلون، لكننا نصفق لهم خوفاً من عقابهم.

6. رجال الدين: تمثيل على الله في الكنائس والجوامع

هذه هي المأساة الكبرى. دخلت الجامع يوماً، كان الخطيب يبكي الناس بدموع التوبة والإنابة. خرجت خلفه من الباب الخلفي، فإذا به يخلع جلبابه ويجلس إلى صديق له، يضحك، يشتم، يستهزئ بمن كانوا يبكون قبل دقائق. أخبرني أحدهم عن كاهن في الكنيسة، يعظ عن المحبة والتسامح، وبعد القداس يجلس لـ”تسوية” صفقة تجارة أرض مسروقة. هؤلاء ليسوا رجال دين، هم وسطاء بين السماء والأرض بأسعار مخفضة. يمثلون على الله، يبيعون الدين للمرتزقة، يحولون بيوت العبادة إلى وكالات دعاية. المشكلة أن الناس تعرف هذا وتتقبله! لأن الجميع يمثلون، فلماذا يستثني رجال الدين؟

الوطن الذي تحول إلى مسرح كبير للتمثيل على الله والناس جميعًا
الوطن الذي تحول إلى مسرح كبير للتمثيل على الله والناس جميعًا

7. رجال الأعمال: قرصنة تحت راية البزنس

تعاملت مع أحد كبار التجار في مدينتي. في اللقاء الأول كان مهذباً، مبتسماً، حديثه عن المسؤولية الاجتماعية، عن دوره في تنمية البلاد. بعد أن وقعنا العقد، اكتشفت أن بضاعته مغشوشة، وأنه سرق حقوقي بعبارة صغيرة في الصفحة الأخيرة. عندما واجهته، ضحك في وجهي وقال: “هذه هي التجارة يا صاحبي، احترف أو ارحل”. هذا ليس تاجراً، هذا قرصان ببدلة أنيقة. رجال الأعمال هنا يحولون الاقتصاد إلى مسرح كوميديا سوداء. يتحدثون عن التنمية وهم يهربون الأموال، يبكون البطالة وهم يستوردون العمالة الرخيصة، يتبرعون للفقراء والضرائب التي لم يدفعوها تكفي لبناء مستشفى.

8. الإعلام: مسرح فوق مسرح

تخيل أن تشاهد نشرة أخبار، كلها دموع ووعود وبطولات. ثم تعيش الواقع فلا تجد شيئاً مما قيل. الإعلام هنا ليس ناقلاً للواقع، بل صانعاً لدراما بديلة. المذيع يقرأ الخبر وكأنه يلقي قصيدة عاطفية، ثم يغلق الكاميرا ليشتم زملاءه. الصحفي يكتب عن الفساد ثم يذهب ليأخذ رشوته. القناة تبث توعية عن الأخلاق، وإعلاناتها كلها عن استغلال النساء. هذا الإعلام هو مسرح فوق مسرح، يعتقدون أنهم يخدعوننا، لكننا جميعاً نعرف أنهم يمثلون، وكل منا يمثل أنه يصدقهم. انهيار الثقة يبدأ من هنا.

9. الشارع والناس: وجوه متعددة في مشهد واحد

المشي في شوارع وطني أصبح تجربة سريالية. أرى وجوهاً متعددة، كل وجه يحمل قناعاً مختلفاً. البائع يبتسم ليبيع بضاعته الفاسدة، سائق التاكسي يحلف أنه لا يسرق ثم يأخذ ضعف الأجرة، المار يبدو كأنه صديق ثم يتجاهلك بعد ثانية. في أوروبا، الوجوه واضحة: من يحبك تحبك، من يكرهك تعرف أنه يكرهك. هنا، الجميع يرتدي قناع الحياد، لكن العيون لا تكذب. في عيونهم أرى: الطمع، الخوف، الكراهية، الحسد. أحياناً أشعر أنني أعيش في فيلم رعب نفسي، حيث كل من تقابله قد يكون قاتلك أو صديقك، وكلاهما يؤديان نفس الدور.

10. الأسرة الممتدة: سلسلة من الأكاذيب المقدسة

في مجتمعنا، العائلة الممتدة تعني أن كل قريب له دور في هذه المسرحية. العم الذي يزورك ليطمئن عليك، وفي الحقيقة ليتفقد ممتلكاتك. الخال الذي يمدحك ليحسده الآخرون. العمة التي تبتسم في وجهك وتنشر أسرارك بعد دقائق. الزيارات العائلية لم تعد لقاءات حب، بل مؤتمرات تجسس، كل طرف يجمع معلومات عن الطرف الآخر ليستخدمها في الوقت المناسب. العجوزة التي تزورك لـ”البركة” هي في الحقيقة جاسوسة عيون. هذه السلسلة من الأكاذيب أصبحت طقساً مقدساً، يمارسه الجميع ولا يسأل عنه أحد. كأنما الكذب أصبح جزءاً من ديننا الاجتماعي.

11. المناسبات الاجتماعية: مهرجانات التمثيل الجماعي

الأفراح والأتراح هنا هي أكبر مسارح التمثيل. في الأفراح، الجميع يضحك ويصفق ويبدو سعيداً، لكن تحت الأضواء، هناك من يحسد العريس، من يشتم أهل العروس، من يتمنى فشل الحفل. في الأتراح، الجميع يبكي ويندب ويدمع، لكن خلف الكواليس، هناك من يفرح بالميراث، من يحسب كم سيأخذ من التعازي، من يسعد بمصيبة غيره. الأقنعة هنا تصل إلى ذروتها. أبكي وأضحك في نفس الوقت؟ في هذه المناسبات، اكتشفت أن الجميع ممثلون، وأنا الوحيد الذي لا يحسن التقليد.


12. المدرسة والتعليم: تربية الأجيال على النفاق

زرت مدرسة ابتدائية لأرى كيف ينشأ هذا الجيل على التمثيل. دخلت صفاً، كان المدرس يشرح الدرس بصوت عالٍ، والتلاميذ يرددون وراءه كالببغاوات. خرجت إلى ساحة المدرسة عند الاستراحة، رأيت المدرس يضرب تلميذاً ويشتمه، وعندما رآني ابتسم وكأن شيئاً لم يحدث. رأيت تلميذاً يسرق قلم زميله، وعندما سألته قال: “هذا حقي” بكل براءة. المدرسة هنا ليست مؤسسة تعليم، بل ورشة لتدريب الممثلين. يتعلم الأطفال منذ الصغر: قل خلاف ما تعتقد، ابتسم لمن تكره، أثنِ على من تغتاب. هذا هو المنهج الخفي، وهو الأكثر نجاحاً.

13. فيروس النفاق: كيف تنتشر العدوى؟

لاحظت شيئاً خطيراً. النفاق ليس مجرد سلوك، هو فيروس ينتشر بالتنفس. الجالس مع المنافق يصبح منافقاً بعد فترة. الذي يمثل على إخوانه سيمثل على أبنائه. هذا الفيروس يبدأ من القمة (المسؤولون، رجال الدين، الإعلام) وينتقل إلى القاعدة (البيوت، الشوارع، المدارس). لا أحد بمنأى عنه، إلا من يبني مناعة نفسية نادرة. في هذا البلد، الجميع يحمل الفيروس، والأعراض واضحة: ازدواجية الكلام، تعدد الوجوه، ضعف الضمير، غياب الخجل. الشفاء الوحيد هو العزلة أو الهروب، لأن اللقاح لم يخترع بعد.

14. أنا في هذا المسرح: الجمهور الوحيد الذي لا يمثل

أخيراً، ماذا عني؟ أنا الذي أحاول أن أكون صادقاً في بلد التمثيل. أنا أصبحت الغريب الحقيقي. عندما أقول ما أفكر، يتهموني بالوقاحة. عـندما أظهر حزني، يتهموني بالضعف. عندما أصرخ ضد الظلم، يتهموني بالجنون. أنا في هذا المسرح لست ممثلاً، لكني لست جمهوراً عادياً أيضاً. أنا الرجل الذي صرخ في المسرح قائلاً: “الملك عارٍ”، فوبخوني وأخرجوني. اكتشفت أن أسوأ ما يمكن أن تكون عليه في هذا البلد هو أن تكون صادقاً. الصدق هنا ليس فضيلة، بل وصمة عار. لذلك أنا وحدي، جالس في زاوية هذا المسرح، لا أصفق ولا أشارك، فقط أشاهد وأتألم.

التوصيات

بعد أن عشت هذه المسرحية المرعبة، أقدم هذه الوصايا لمن يريد النجاة:

أولاً: لا تحاول كشف التمثيل أمام الجميع. الممثلون المحترفون لا يحبون من يكشف أقنعتهم، وقد يتحولون إلى وحوش.

ثانياً: اختر دائرة صغيرة جداً من الأشخاص الذين تثق أنهم صادقون، ولو كانوا واحداً أو اثنين. اجعلهم عائلتك الحقيقية.

ثالثاً: تعلم فن “التمثيل الآمن”، أي أن تكون صادقاً في داخلك، وتتفاعل مع المسرحية عندما تضطر، دون أن تنخرط فيها.

رابعاً: احتفظ بمساحتك الخاصة، بيتك، غرفتك، كتابك. مكان صغير تكون فيه أنت نفسك.

خامساً: لا تكره الممثلين، بل اشفق عليهم. هم أيضاً ضحايا هذا الفيروس، ولا يعرفون كيف يشفون.

الوطن الذي تحول إلى مسرح كبير للتمثيل على الله والناس جميعًا
الوطن الذي تحول إلى مسرح كبير للتمثيل على الله والناس جميعًا

الخاتمة

الآن، وأنا أغلق باب غرفتي خلفي، أسمع ضجيج المسرحية من الخارج. أبي يمثل الأبوة، أمي تمثل الأمومة، إخوتي يمثلون الأخوة، الجيران يمثلون الجيرة، المسؤول يمثل الإخلاص، رجل الدين يمثل التقوى. كل شيء مزيف، كل شيء مقلوب. أغمض عيني وأتخيل أن ستاراً يسقط فجأة، فتصمت كل الأصوات، وتسقط كل الأقنعة. ثم أفتح عيني، فأجدهم ما زالوا يمثلون.

أخرج من الغرفة، أبتسم لهم ابتسامة باهتة، وأواصل دوري كـ”الابن العائد السعيد”. نعم، أنا أيضاً اضطررت للتمثيل. هذا هو أسوأ ما في المسرحية: حتى أنا بدأت أفقد من أنا. معذرة أيها الوطن، لقد حولتنا جميعاً إلى ممثلين. والآن، لا أحد يعرف من كان قبل الستار.

مواضيع ذات صلة

downloadsoft.net