رحلة مغترب من قسوة البشر الى بيت الرب وطنه الحقيقي

رحلة مغترب من قسوة البشر الى بيت الرب وطنه الحقيقي

المقدمة

بعد غربتي الطويلة، عدت إلى وطني حاملاً أملاً كبيراً. كنت أظن أن الأهل سيكونون رعاتي، وأن القريب سيكون سندي، وأن من حولي سيفهمون معانات غربتي ويشاركونني أحزاني. لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً. لم أجد أعداء، بل وجدت بشراً مشغولين بأنفسهم، غارقين في أوجاعهم، لا يملكون وقتاً لآلام غيرهم. في تلك الليلة التي انهار فيها كل شيء، خذلني آخر من توقعت خيانته، ليس لأنه شرير، بل لأنه إنسان.

جلست وحدي في غرفتي الباردة، الألم يصرخ في داخلي ولا صوت يخرج من فمي. ثم، من أعماق الطفولة، تسللت إلى ذهني كلمات لم أنطق بها منذ سنوات: “الرب راعي فلا يعوزني شيء“. لم أكن أتلوها بخشوع راهب، بل بصرخة غريق يتمسك بآخر خشبة. كانت آخر ما تبقى لي. وهنا، في هذه اللحظة بالذات، لم يعد المزمور نصوصاً ميتة، أصبح نبضاً حياً في صدري المجروح.

رحلة مغترب من قسوة البشر الى بيت الرب وطنه الحقيقي
رحلة مغترب من قسوة البشر الى بيت الرب وطنه الحقيقي

1. عدت أبحث عن رعاة فوجدت بشراً مثلي

تركت أوروبا، وكان في قلبي صورة وردية للقاء. تخيلت أن أهلي سيكونون سندي، أن وطني سيكون حضني، أن من حولي سيفهمون ما عانيته طوال سنوات الغربة. كنت أحلم بذراع تمتد لتحضنني، وبصوت يهمس “مرحباً بعودتك”، وبقلب يفرح لرؤيتي كما فرحت أنا لرؤيتهم. حملت معي حقيبة من الذكريات الجميلة التي بنيتها في الغربة، وفتحت قلبي على مصراعيه لاستقبال دفء العودة.

لكن الحقيقة كانت صفعة قاسية على وجه الحلم الجميل. لم أجد أعداء، بل وجدت بشراً مشغولين بأنفسهم، غارقين في أوجاعهم الخاصة، لا يملكون وقتاً لآلام غيرهم. كانوا يعيشون عواصفهم الداخلية، ويصارعون شياطينهم الخفية، ولا طاقة لديهم لاستيعاب غريب عاد من بعيد. نظرت في عيونهم، فلم أرَ هناك كرهاً، بل رأيت تعباً، رأيت إرهاقاً، رأيت بشراً منهكين من معاركهم اليومية.

لم يكونوا سيئين بالضرورة، وهذا ما زاد ألمي عمقاً. لو كانوا أشراراً واضحين، لكان الأمر سهلاً: أكرههم وأنساهم. لكنهم كانوا بشراً عاديين، مثلي تماماً، يحملون همومهم وأوجاعهم وإخفاقاتهم. كانوا عاجزين عن الرعاية لأنهم هم بحاجة إلى من يرعاهم. هنا أدركت الدرس الأول والأقسى: لا تطلب من البشر ما لا يملكون. البشر ليسوا رعاة، البشر قطعان تحتاج إلى راعٍ أعلى. لا تحكم عليهم بقسوتهم، بل افهم أنهم ضائعون مثلك، يتخبطون في ظلامهم، ولا يرى أحدهم الآخر. كنت أبحث عن راعٍ بين الخراف، فلم أجد سوى خروف يبحث مثلي عن راعٍ حقيقي.

2. حين سقطت كل الأذرع البشرية، تمسكت بذراع لا يرى

كانت ليلة سوداء بلا نجوم، ليلة يشعر فيها الإنسان أن الأرض تهاوت تحت قدميه والسماء أغلقت أبوابها. خذلني آخر من توقعت خيانته، ليس لأنه شرير أو حاقد، بل لأنه إنسان ضعيف استسلم لضعفه. لم يكن الأمر انقلاباً مفاجئاً، بل كان تراكماً طويلاً من خيبات الأمل الصغيرة التي تجمعت لتصبح سيلاً جارفاً. جلست وحدي في غرفتي الباردة، أنظر إلى الجدار دون أن أراه، الألم يصرخ في داخلي صراخاً لا يسمعه أحد، ولا صوت يخرج من فمي المغلوق.

يداي المرتجفتان وضعتا رأسي بينهما، ودمعة ساخنة تسللت من عيني رغماً عن إرادتي. كانت لحظة السقوط الكامل. لكن في قاع البئر، حيث لا يصل ضوء ولا يسمع صوت، حدث ما لم أتوقعه. من أعماق الطفولة البعيدة، من زاوية منسية في ذاكرتي، تسللت إلى ذهني كلمات لم أنطق بها منذ سنوات طويلة. جاءت كزلزال هز كياني كله. لم أكن أتلوها بخشوع راهب يتأمل، بل بصرخة غريق يتمسك بآخر خشبة طافية على سطح الماء. لم أكن متأكداً مما أقول، ولم أكن واثقاً مما تعني هذه الكلمات في لحظة انهياري الكامل. لكنها كانت آخر ما تبقى لي. كل شيء سقط: الأمان، المال، الصحة، الأصدقاء، الأهل، حتى الكرامة. بقيت هذه الجملة العتيقة وحدها، فأمسكت بها كمن يمسك بحبل رفيع في عاصفة هوجاء.

3. الرب راعي: جملة صارت صرخة قبل أن تصير عزاء

البداية كانت صعبة جداً، بل كانت شبه مستحيلة. كنت أكرر الجملة وكأنها تعويذة سحرية، وقلبي المكسور مليء بالشك والتمرد. “الرب راعي” وأنا وحدي كقطعة ثلج تائهة في صحراء قاحلة. “الرب راعي” وأمي على فراشها لا يزورها أحد من أبنائها سواي. “الرب راعي” وكل من حولي يمرون من باب غرفتها ولا يدخلون. “الرب راعي” وأخي يبتسم في وجهي ويطعنني من خلف ظهري. بدت الكلمات وكأنها سخرية قاسية من واقعي الموجع، وكأنها استهزاء بآلامي لا عزاء لها.

كنت أصرخ بها أحياناً حتى يبح صوتي، وأهمس بها أحياناً أخرى في ظلمة الليل، وأبكيها في ساعات الفجر الأولى حيث الجميع نائمون ولا يراني أحد. لكن مع التكرار، مع إصرار غريب من داخلي على عدم التخلي عن هذه الجملة، بدأ يحدث شيء غريب. الجملة لم تغير واقعي الملموس، هذا صحيح. لم تعد إليّ أمي صحتها، ولم ترجع إخوتي إلى رشدهم، ولم تملأ محفظتي نقوداً. لكنها غيرت نظري إلى واقعي، وهذا كان أعظم من أي تغيير خارجي. لم تعد الجملة تعدني بمستقبل جميل خالٍ من الألم، بل أصبحت إعلان حقيقة حالية: حتى في قاع الظلمة الدامسة، وحيداً بين الجدران الباردة، هناك من يرعاني. ليست الجملة شرحاً نظرياً لاهوتياً معقداً، بل إعلان ثورة صامتة على اليأس الذي كان يلتهم روحي قطعة قطعة. لقد كانت صرخة تحولت إلى عزاء، والعزاء تحول إلى يقين لا يتزعزع.

4. فلا يعوزني شيء: كيف يكون المحطم غير محتاج؟

هذا الجزء من المزمور حيّرني طويلاً، بل وعذبني كثيراً. كيف أجرؤ على قول “لا يعوزني شيء” وأنا فقدت كل شيء؟ كيف أنطق بهذه الكلمات ولساني لم يذق طعم الراحة منذ أشهر طويلة؟ فقدت المال الذي تعبت عليه سبعة عشر عاماً في الغربة الباردة. فقدت الأمان النفسي في بيتي الذي كان يجب أن يكون ملاذي الآمن. فقدت الثقة بكل من حولي، حتى بأقرب الناس إليّ. فقدت قدرتي على النوم بهدوء، فصرت أستيقظ على كوابيس الخيانة والغدر. فقدت حتى شهيتي للطعام وللحياة نفسها. كل شيء كان ينقصني، كل تفصيلة من تفاصيل حياتي كانت تئن بالفقد الموجع.

ثم، بعد صراع طويل مع النفس ومع النص، بعد ليالي من البكاء والتساؤل، فهمت ما لم أكن أراه. الراعي الصالح لا يعدني ببيت مليء بالذهب، ولا بأهل لا يخذلون أبداً، ولا بجسد لا يمرض ولا يتعب. هذه وعود لا يملكها إلا سحرة الدنيا ومدعوها. الراعي يعدني بشيء واحد فقط، لكنه أعظم من كل هذه الوعود مجتمعة: يعدني بأنه سيكون معي. حضره معي. ووجوده هو كل ما أحتاج حقاً في هذه الحياة. “لا يعوزني شيء” تعني أنني عندما أملك وجود الراعي بجانبي، أملك كل شيء. الباقي مجرد تفاصيل سطحية، زينة الحياة الدنيا التي تزول وتفنى. الحاجة الحقيقية ليست للمال ولا للصحة ولا للأهل، بل لمن يمسح على رأسي في الظلمة ويقول: “لا تخف، أنا هنا“. بهذا لا أعوز شيئاً.

5. مراعي خضر ومياه راحة: حيث لا تتوقع

في مراع خضر يربضني، وإلى مياه الراحة يوردني“. كنت أقرأ هذه الجملة من المزمور وأتساءل بسخرية مرة، أحياناً وأنا أبكي من الداخل: أين الخضرة في حياتي السوداء الكئيبة؟ أين الراحة في عواصفي التي لا تهدأ ولا تتوقف؟ أين الينابيع العذبة في صحرائي القاحلة التي لا ماء فيها ولا ظل ولا أمل؟ كان سؤالاً يصرخ في داخلي دون جواب.

يداي كانتا ترتجفان في ليالي الشتاء البارد حيث لا تدفأة تكفيني. قلبي كان ينزف في صمت حيث لا أحد يراه. ثم، بعد طول تأمل وجلد ذات، أدركت الحقيقة العميقة التي كانت مخفية عني طوال هذه السنوات. مراعي الراعي ليست بالضرورة خضراء بعيوننا البشرية القاصرة. قد تكون مراعي الألم التي تنتج الصبر الذهبي، ومراعي الفقد التي تنتج النضج العميق، ومراعي الوحدة التي تنتج القوة الداخلية التي لا تنكسر، ومراعي الخيانة التي تنتج الحكمة التي لا تشترى بمال. الخضرة الحقيقية لا ترى بالعين الجسدية الضعيفة، بل بعين الروح التي تنظر إلى العمق حيث لا ينظر الآخرون. الخضرة هي وجوده معي في النار. وأما مياه الراحة، فهي تلك اللحظات التي يسكن فيها قلبي فجأة دون سبب، فيهدأ الموج العاتي، وتصفو السماء الملبدة، وأعرف يقيناً أنه معي، وهذه المعرفة وحدها تكفيني للاستمرار.

رحلة مغترب من قسوة البشر الى بيت الرب وطنه الحقيقي
رحلة مغترب من قسوة البشر الى بيت الرب وطنه الحقيقي

6. وادي ظل الموت: حيث عشت وعاش معي

في وطني الحبيب الموجوع، العيش في وادي ظل الموت ليس حدثاً عابراً نمر به ثم نخرج منه سريعاً. بل هو أسلوب حياة يومي، هو الهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه. الحروب التي لا تنتهي، والفساد الذي يلتهم كل شيء نظيف، والمرض الذي يزور كل بيت دون استئذان، والغدر الذي لا يستثني أحداً مهما كان قريباً، كلها ظلال ثقيلة تغطي كل شيء. كنت أظن بسذاجة أن العودة من أوروبا النظيفة المنظمة ستخرجني من هذا الوادي الموحش، ستنتشلني من هذا المستنقع الآسن. لكني اكتشفت أنني أدخلت أوروبا معي في قلبي.

لكن المزمور العظيم لم يقل “أسير في وادي الموت” كما كنت أظن وأخاف طويلاً. بل قال بدقة متناهية “وادي ظل الموت“. والفرق بين الموت وظله هو الفرق بين السماء والأرض يا صديقي. الظل ليس حقيقياً، الظل هو الخوف من الحقيقة. الموت الحقيقي ليس موت الجسد عندما يفارق الحياة، فذاك أمر مكتوب على كل إنسان منذ ولادته. الموت الحقيقي هو موت الأمل في القلب، هو موت الروح قبل أن يموت الجسد، هو أن تعيش كالأموات وأنت تمشي على الأرض. الراعي الصالح لا يمنع الموت الجسدي، فمن منا نجا منه أو سينجو؟ لكن الراعي يمنع موت الروح، يمنع موت الأمل، يمنع الانهيار النهائي الذي لا يقوم بعده إنسان. عشت في الظل الثقيل، وذقت مرارة الخوف، لكني لم أمت، لم أنهر، لم أستسلم. لأن الراعي كان معي يهمس في أذني الداخلية حين كنت أظنني وحدي: “لا تخف، الظل سيزول وأنا باقٍ معك“.

7. لا أخاف شراً: الجملة المستحيلة في زمن الشر

كيف لا أخاف والشر يحيط بي من كل جهة؟ أخي الغادر لا يزور أمي العجوز التي حملته تسعة أشهر. جاري المراقب يحصي أنفاسي ويسجل أخطائي. رئيسي المستغل يأكل حقي وأكلني معه. المجتمع كله يغلي بالفساد والرياء والنفاق. الأصدقاء يتلونون حسب المصلحة والمنفعة. جملة “لا أخاف شراً” بدت لي طوال حياتي مستحيلة التحقيق. كنت أعتقد أن داود كان يعيش في زمن آخر، أو أنه كان مباركاً بشكل استثنائي لا ينطبق على بشر عاديين مثلي. لكن الحقيقة كانت غير ذلك.

هنا توقفت. هنا سقطت. هنا، في قاع اليأس، فهمت.

لا أخاف” لا تعني أن الشر غير موجود، فلو كان غير موجود لما دعت الحاجة إلى قول “لا أخاف“. “لا أخاف” تعني أن الراعي أقوى من الشر، وأكبر منه، وأعمق منه. الخوف يختفي من القلب ليس عندما يختفي الخطر الخارجي، فهذا نادر الحدوث في زمن كزماننا. الخوف يختفي عندما نعرف يقيناً من يمشي بجانبنا على هذا الطريق الوعر. وجود الراعي الحقيقي بجانبي يحول الخوف إلى حذر طبيعي، ويحول الذعر إلى ترقب واع، ويحول الانهيار إلى صمود أسطوري. لست أخاف، ليس لأن الشر صار أقل شراً أو اختفى، بل لأن من معي هو الأقوى على الإطلاق، وهو لن يتركني أبداً.

8. “لأنك أنت معي”: هذه الجملة الصغيرة غيرت كل شيء

هذا هو السر كله. ليس في المزمور كله جملة أقوى من هذه الجملة القصيرة الصغيرة: “لأنك أنت معي“. الظل الثقيل موجود، ولا أحد ينكره. والشر المستشري موجود، والعين تغض عنه أو تتجاهله. ووادي الموت الموحش موجود بكل أشباحه ومخاوفه. لكن مع الراعي، مع وجوده، يصبح كل شيء مختلفاً تماماً. كنت أظن طوال حياتي أن الرب بعيد عن قسوة أهلي، غائب عن غدر أقاربي، لا يرى ضياعي في غربتي، لا يهتم بتفاصيل ألمي الصغير.

لكن صوته الداخلي كان يهمس في الظلمة حيث كنت أحسبني وحدي. في صمت الكهوف الحزينة التي سكنتها، في وجع الرفض المؤلم الذي ذقته، في بكاء الليل الطويل الذي لا ينتهي، في لحظات السقوط المدوية التي ظننت أنها النهاية، في كل تفصيلة من تفاصيل ألمي الصغير والكبير، كان هناك. حاضراً لا غائباً. قريباً لا بعيداً. لم يتكلم بصوت مسموع من السماء، لم يرسل ملاكاً ببشرى، لم يقلب موازين القوى أمام عيني. لكن حضوره الصامت كان أبلغ من ألف خطبة، وأقوى من ألف معجزة. “معي” كلمة صغيرة جداً في حجمها، لكنها تساوي الكون بأسره حين تنطق من أعماق قلب جريح مثقل بالهموم. هذه الكلمة وحدها غيرت كل شيء في حياتي.

9. عصاك وعكازك: عندما يكون الألم هو عين الرعاية

هذا هو الجزء الأصعب في المزمور كله، وهو أيضاً الجزء الذي كنت أهرب منه طويلاً. العصا تؤلم، هذا ما نعرفه جميعاً. فلماذا يحملها الراعي الصالح؟ ولماذا يذكرها داود النبي كعزاء وليس كتهديد أو تخويف؟ الحيرة كانت تعذبني، والألم كان يمنعني من الرؤية بوضوح. كيف يمكن لشيء يؤلم أن يكون عزاءً؟ كيف يمكن للجرح أن يكون دواء؟ هذه المفارقة كانت فوق طاقتي وعقلي المحدود.

ثم، في لحظة نضوج روحي، أو في لحظة إعلان إلهي لا تفسير لها، انكشف السر. العصا ليست أداة عقاب، رغم أنها قد تؤلم بشدة. العصا هي أداة تصحيح وتوجيه ومحبة. الخروف الضال، الذي خرج عن الطريق، الذي كاد يسقط في الهاوية، لا يفهم الكلام البشري مهما كان بليغاً ومقنعاً. لا تفيد معه الوعظ الطويل والخطب المؤثرة. لكنه يفهم العصا التي تعيده برفق وحزم إلى الطريق الصحيح. الألم الذي كرهته طوال حياتي، الذي بكيت منه مراً وعلانية، الذي نحيته في صلاتي وتمردت عليه، كان هو عين رعاية الراعي بي. العصا التي آلمتني بشدة هي نفسها التي منعتني من السقوط في الهاوية العميقة. هي نفسها التي أعادت هذا الخروف الضال إلى الحظيرة الدافئة الآمنة.

10. سر العصا: حين يكون الألم عمقاً للرعاية

تعلمت بالطريقة الصعبة جداً، بالطريقة التي جعلتني أنزف داخلياً قبل أن أشفى. رحيلي القسري إلى أوروبا في البدء كان عصاً موجعة. وحدتي هناك الباردة الطويلة كانت عصاً قاسية. حرماني من دفء العائلة سنوات وسنوات كان عصاً مؤلمة. خيانة أهلي التي كسرت قلبي إلى أجزاء صغيرة كانت عصاً مدمرة. خذلان أقاربي الذي ظننته نهاية العالم كان عصاً محطمة. كل ألم مررت به، وكل دمعة ذرفتها في الخفاء حيث لا يراني أحد، وكل ليلة سهرتها أتألم وأتساءل، كان يد راعي تمتد لتهذبني وتنقذني من نفسي أولاً.

لم أكن أفهم حينها، كنت غاضباً ومتمرداً وثائراً. لكنني الآن، بعد أن هدأت العاصفة وصفا الأفق قليلاً، أرجع بالذاكرة كمن يشاهد فيلماً عائياً طويلاً، وأرى يد الراعي الخفية في كل تفصيلة من تفاصيل حياتي. في كل صدمة صدمتني، في كل هزة هزت كياني، في كل موقف ظننته ظلماً بحق، كانت يداه تعملان بهدوء لصالحي لا ضدي. العصا لا تكسر الخروف أبداً كما كنا نظن، العصا تنقله برفق من طريق الهلاك الواضح إلى طريق الحياة الآمن المطمئن. الحمد لله على عصاه التي آلمتني، فلو تركني وشأني لكنت قد هلكت في متاهات الضياع. الحمد لله على ألمه الذي كان دواء خفياً، وعلى جراحه التي كانت شفاءً.

11. العكاز الذي يسند: الغرباء الذين صاروا أهلاً

العكاز هو الجانب الآخر من الرعاية، الجانب الرقيق الحنون الذي يلامس الجروح دون أن يدميها. العصا تؤلم أحياناً وتجرح أحياناً، لكن العكاز يسند دائماً ولا يجرح أبداً. العكاز هو ما نستند عليه عندما لا تستطيع أقدامنا الحمل، عندما تعجز أرجلنا عن الوقوف، عندما نكاد نسقط أرضاً من شدة التعب. في رحلتي القاسية الطويلة، كان العكاز هم أولئك الغرباء الذين لم أتوقع مساعدتهم أبداً. الجارة الأوروبية التي لا تعرفني ولا أعرفها، وضعت يدها المرتجفة الدواء على الطاولة أمام باب شقتي، ثم انصرفت بصمت دون أن تطلب جزاءً أو شكوراً.

الشاب المجهول الذي لا يربطني به شيء، أوقف سيارته القديمة في منتصف الليل ليوصلني إلى بيتي دون أن يعرف اسمي. العجوز الفقيرة التي لا تملك قوت يومها، أخرجت من تحت فراشها الوضيع قطعة البسكويت الوحيدة التي تملك، وناولتها لي بيدين مرتجفتين وقالت: “ادخرتها لك”. الرب العظيم يسندنا بمن لا نتوقعهم، ومن لا نعرفهم، ومن لا نحلم بهم. العكاز يأتي من حيث لا نعلم، في أكثر الأوقات عتمة، في أشد لحظاتنا ضعفاً، ليذكرنا دائماً أن الراعي الصالح لم يتركنا لحظة واحدة، وأنه قادر أن يرسل العكاز من أي باب يطرق، ومن أي يد تمتد بالخير.

12. الراعي كان هناك.. في كل تفصيلة من رحلتي

أخيراً، وبعد كل هذه السنين الطويلة، بعد كل هذه الصدمات المتتالية، بعد كل هذه الدموع التي جفت منابعها من كثرة البكاء، بعد كل هذا الألم الذي كاد يقتلني ويبيد ما تبقى مني، أدركت الحقيقة الكبرى التي كانت مخبأة عني طوال عمري. الراعي لم يتركني لحظة واحدة، لم يغب عني طرفة عين، لا في شدتي ولا في رخائي، لا في فرحي ولا في ترحي، لا في صحتي ولا في مرضي. في أوروبا الباردة البعيدة، كان معي يراني ويرعاني. في لحظة العودة الحالمة التي ظننتها نهاية كل ألم، كان معي يبتسم لفرحي الطفولي. في صدمة الخيانة التي كسرت ظهري وأوقعتني أرضاً، كان معي يجمع شتاتي المتناثر.

في بكاء ليلي على أمي العجوز الوحيدة، كان معي يمسح دمعتي الخفية. في يأس اللحظات الأخيرة حيث كدت أستسلم وألقي السلاح، كان معي يهمس لي بالصبر والقوة. لم يكن غائباً أبداً، ولم تكن سماواته مغلقة دون صراخي، ولم تكن أذناه ثقيلتين عن سماع أنيني. بل كنت أنا من أعمى البصيرة، أنا من غطت غبار التجارب والآلام عينيه الداخليتين. كنت أبحث عنه في وجوه البشر، فلم أجده، لأن البشر ليسوا آلهة ولا رعاة. كنت أبحث عنه في حضن الأهل، فلم أجده، لأن الأهل بشر يخطئون ويخذلون. كنت أبحث عنه في وعود الأصدقاء، فلم أجده، لأن الأصدقاء يتغيرون كالفصول.

لكنه كان هناك، ليس أمامي حيث أتطلع بلهفة، بل بجانبي حيث لا أنتبه بغباء. ليس في ما أراه بعيني الماديتين الضعيفتين، بل في ما لا أراه بعيني الروح المتعبتين. الآن، بعد كل هذا، أعود إلى المزمور العظيم كرجل مختلف تماماً عما كان. لم تعد الكلمات مجرد تلاوة باردة في المناسبات، أصبحت حياة نابضة تتدفق في عروقي. “الرب راعي” ليست نظرية لاهوتية جافة، بل تجربة معاشة يومية. “فلا يعوزني شيء” ليس أملاً مستقبلياً بعيداً، بل يقين حالي لا يتزعزع.

رحلة مغترب من قسوة البشر الى بيت الرب وطنه الحقيقي
رحلة مغترب من قسوة البشر الى بيت الرب وطنه الحقيقي

التوصيات

أولاً: عندما تخذلك البشر، وهو ما سيحدث حتماً لأنهم بشر، لا تخدع نفسك باليأس القاتل. البشر ليسوا رعاة، البشر قطعان تحتاج إلى راعٍ أعلى. الراعي الحقيقي لم يتركك أبداً، فقط افتح عينيك الداخليتين المغمضتين لترى حضوره الخفي في حياتك.

ثانياً: لا تخف من العصا مهما آلمتك وجرحتك. العصا التي تجرحك اليوم قد تكون عين رحمته بك غداً. لا ترفض أي ألم قبل أن تفهم هدفه العميق. الألم معلم صامت لكنه حكيم، وراعٍ حنون لكنه حازم أحياناً.

ثالثاً: لا تتكل على ذراع بشر مهما كان قريباً أو حبيباً أو عزيزاً. هذا ليس دعوة للعزلة والكراهية كما يظن البعض، بل دعوة لوضع الثقة في مكانها الصحيح. أحب البشر بصدق، ساعدهم بكل ما أوتيت، واسعهم في أزماتهم، واسامحهم بسرعة. لكن لا تعلق خلاصك ولا أمانك على أحد منهم.

رابعاً: اقرأ المزامير العتيقة لا كطقوس دينية جافة باردة، بل كصراخ إنساني حار نابض. داود النبي صرخ من أعماق موجعة، فاستجيب له بكلمات عاشت آلاف السنين. اصرخ أنت أيضاً بصدق وجرأة، فإن الصرخة الصادقة تصل إلى السماء حيث لا تصل أحياناً الصلاة المرتبة الباردة.

خامساً: تذكر دائماً أن وادي ظل الموت المخيف ليس نهاية الطريق كما يظن الخائفون الجاهلون. هو مجرد ممر ضيق ومظلم إلى مراعي خضر أوسع وأجمل. الظلمة مهما طالت واستعصت فهي مؤقتة لا محالة، والراعي الحي الدائم هو أبدي سرمدي لا يزول.

سادساً: لا تنتظر أن تكون فراشة قبل أن تمر بمرحلة الدودة. ولا تنتظر أن تكون جوهرة ثمينة قبل أن تتحمل سنوات السواد في باطن الأرض. النور الحقيقي يخرج من رحم الظلمة الحقيقية. والقيامة الحقيقية تسبقها دائماً آلام الصليب الحقيقية.

الخاتمة

الآن، وأنا أنهي هذه الرحلة الطويلة الموجعة مع المزمور العظيم الذي أنقذني من الغرق النهائي، أرفع عيني المتعبتين إلى السماء المفتوحة. لم يعد الألم القاسي يخيفني، لأني أعرف يقيناً أن في داخله وألمه يد راعٍ حكيم لا يخطئ. لم تعد الوحدة القاتلة تقتلني، لأني أعرف يقيناً أن معي من هو أقرب إلي من نفسي. اكتشفت أخيراً أن الراعي الصالح كان هناك دوماً: في أوروبا وفي وطني، في الفرح وفي الحزن، في الأمان وفي الخوف، في الضحكة الصافية وفي الدمعة الساخنة، في الصحة وفي المرض، في الغنى وفي الفقر، في القوة وفي الضعف.

عصاه الأليمة آلمتني بشدة، لكنها بإيلامها أعادتني إلى الطريق الصحيح الذي كنت قد انحرفت عنه بعيداً بجهلي. وعكازه الحنون أسندني كثيراً، ورفعني عندما سقطت في الوحل، ولم يتركني أغوص فيه حتى النهاية. باطل حقاً باطل، كل باطل، من يتكل على ذراع بشر مهما كان قريباً أو حبيباً أو عظيماً. لأن الإنسان بطبيعته المحدودة يخطئ ويخذل ويهرب أحياناً ويموت حتماً. أما الرب الحي، فراعي الصالح الأبدي الذي لا يعوزني معه شيء أبداً.

ليس لأنه يعطيني كل ما أريد بلهفة، فهذه ليست وعوده ولا حكمته. بل لأنه يعطيني ما أحتاج حقاً وجوهراً: نفسه، حضوره، وجوده معي في النار والماء. وهذا هو كل شيء. هذا هو انتصاري الحقيقي. هذه هي قصتي التي أردت أن أرويها بكل صدق وألم. وهذا هو المزمور الخالد الذي سأردده بخشوع وحب حتى آخر يوم في عمري: الرب راعي، فلا يعوزني شيء… وفي وادي ظل الموت، لا أخاف شراً، لأنك أنت معي. آمين.

مواضيع ذات صلة

downloadsoft.net