لا أخاف شراً: الجملة المستحيلة في زمن يغلي بالشر

لا أخاف شراً: الجملة المستحيلة في زمن يغلي بالشر

المقدمة

في زمن يموج بالشر كالبحر الهائج، تبدو جملة “لا أخاف شراً” وكأنها استهزاء بالواقع أكثر منها إعلان إيمان. كنت أقرأ مزمور داود وأتساءل: كيف يقول رجل مطارد من ابنه، محاصر من الأعداء، يعيش في مغارات الجبال، إنه لا يخاف شراً؟ كان يبدو لي أن داود يعيش في زمن آخر، أو أنه مبارك بشكل استثنائي لا ينطبق على بشر عاديين مثلي. لكن بعد كل ما عشته ورأيته.

بعد كل خيانة ذقتها وقسوة لمستها، أدركت أنني كنت مخطئاً. الجملة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى إعادة تعريف. “لا أخاف شراً” لا تعني أن الشر غير موجود، بل تعني أن هناك من هو أقوى من الشر، وأن هذا الأقوى يمشي بجانبي.

لا أخاف شراً: الجملة المستحيلة في زمن يغلي بالشر
لا أخاف شراً: الجملة المستحيلة في زمن يغلي بالشر

1. حين يكون الشر في الهواء الذي نتنفسه

لم يعد الشر حدثاً استثنائياً في حياتنا، بل أصبح الجو الذي نتنفسه. تفتح عينيك صباحاً فتسمع خبر موت، تذهب إلى عملك فتصطدم بغش، تعود إلى بيتك فتلمح خيانة. الشر ليس صاعقة تضرب فجأة، الشر أصبح مطراً خفيفاً يبلل كل شيء دون توقف.

في كل زاوية، في كل علاقة، في كل لقاء، هناك ظل ثقيل يغطي النوايا. لا أتحدث عن أشرار خارقين يرتدون أردية سوداء. أتحدث عن بشر عاديين، يشبهونني، يضحكون كما أضحك، يأكلون كما آكل، لكن قلوبهم صارت قبوراً تمشي. الشر في الهواء ليس لأنه قادم من خارج، بل لأنه نابع من داخلنا نحن. وهذا هو أكثر ما يخيف.

2. أقرب الناس قد يكونون أبعدهم عن القلب

ليس العدو القادم من بعيد هو من يؤلم. العدو الحقيقي هو ذاك الذي يجلس معك على مائدة الطعام، يشرب من نفس الكأس، يتحدث عن الحب والعائلة، ثم ينقلب عليك عندما تدير ظهرك. أقرب الناس إلينا هم الأخطر، ليس لأنهم يخططون لشرنا، بل لأن ثقتنا بهم تجعلنا نخلع دروعنا. نتعامل معهم بقلوب مكشوفة، فنصبح أهدافاً سهلة.

الخيانة لا تأتي من غريب لا تعرفه، الخيانة تأتي من من كنت تظن أنه سيكون آخر من يخون. في زمن كزماننا، صار الحذر من القريب ليس جنوناً، بل ضرورة للبقاء. ليس لأنهم أشرار بالفطرة، بل لأن الظروف القاسية حولت الكثيرين إلى نسخ رمادية لا تعرف معنى الوفاء.

3. العيون التي تراقب من وراء الستائر

أصبحنا نعيش في مجتمع لا يعرف الخصوصية. كل حركة تراقب، كل كلمة تُسجل، كل زلة تُحفظ لحين الحاجة. الجار الذي يبتسم في وجهك هو نفسه الذي ينشر أخبارك في الحارة. الصديق الذي يبدو مخلصاً هو نفسه الذي يتصل بآخرين ليعلق على هفواتك. حتى أقرب الناس قد يتحولون إلى عملاء في جهاز استخبارات غير معلن.

هذه العيون التي تراقب لا تريد شراً بالضرورة، لكنها تريد أن تشعر بالأمان عبر معرفة كل شيء عنك. وراء كل ستار، هناك من ينتظرك أن تخطئ ليُشعرك بالذنب، أو ليستخدم خطأك ورقة ضغط. عشنا في زمن صار فيه الخوف من نظرة الآخرين أشد من الخوف من الموت نفسه.

4. من يأكلون حقوقنا باسم القانون

هناك شر واضح، وهناك شر مقنع يرتدي بدلة رسمية ويجلس في المكاتب الكبيرة. من يأكلون حقوقنا لا يهاجموننا بالسيوف، بل بالقوانين التي يلوونها لمصلحتهم، وبالمراسيم التي يصدرونها لحماية جيوبهم. رئيسك في العمل قد يبتسم لك صباحاً، وفي المساء يسرق راتبك بتخفيض لا مبرر له. الموظف العام قد يمد يده للرشوة قبل أن يمد يده للخدمة.

حتى الطبيب الذي تثق بحياته قد يصف لك دواء زائداً لمجرد عمولة. باسم القانون، باسم النظام، باسم المصلحة العامة، يلتهمون حقوقنا قطعة قطعة. ليسوا وحوشاً، لكنهم بشر استسلموا لفكرة أن الغاية تبرر أي وسيلة. وهؤلاء هم الأخطر، لأنهم يبررون شرهم بأنفسهم ويجدون من يصفق لهم.

5. مجتمع تاهت فيه البوصلة الأخلاقية

نعيش في زمن اختلطت فيه المفاهيم. لم يعد هناك أبيض وأسود، بل آلاف الدرجات الرمادية. الخائن قد يصبح بطلاً إذا انتصر، والصادق قد يُسخر منه لأنه “ساذج“. المجتمع كله يغلي بالرياء والنفاق، حيث الجميع يمثلون دوراً ليسوا هم فيه. كأننا في مسرح ضخم، كلنا ممثلون، والدور الوحيد الممنوع هو دور “أن تكون نفسك“.

في هذا الجو المسموم، يصبح من الصعب التمييز بين الصديق والعدو، بين الصادق والكاذب، بين من يحبك ومن يستغلك. البوصلة الأخلاقية التي كان أجدادنا يسترشدون بها تحطمت منذ زمن، وحل محلها بوصلات مزيفة تشير إلى المال والسلطة والشهرة. من يبقى متمسكاً بالأخلاق القديمة يصبح غريباً في وطنه، نادراً بين كثر، كنزاً مدفوناً لا يراه أحد.

6. علاقات تذوب كالثلج تحت شمس المصلحة

الصداقات التي كانت تدوم العمر أصبحت تنتهي بمجرد أن تجف المنفعة. الأصدقاء يتلونون كالحرباء، يغيرون ولاءهم حسب تغير الأحوال. علاقات العمل، علاقات الجيرة، حتى علاقات القرابة، صارت خاضعة لمنطق “ما لي وما عليك“. الكل يسأل: “ماذا سأستفيد؟” قبل أن يسأل: “هل هذا صحيح؟” هذه العقلية جعلت العلاقات الإنسانية هشة كالزجاج، تنكسر بأقل صدمة.

من كان أمس قريباً إليك، قد يصبح غداً بعيداً عنك. ومن كان معك في السراء، قد يختفي عند أول شدة. هذا ليس تشاؤماً، هذا واقع عشته ورأيته بأم عيني بعد عودتي من غربتي الطويلة. ليس الأصدقاء خونة بالطبع، لكن المصلحة صارت إله العصر، وكلما تضاربت المصالح، تهاوت العلاقات كبيوت ورقية تحت المطر.

لا أخاف شراً: الجملة المستحيلة في زمن يغلي بالشر
لا أخاف شراً: الجملة المستحيلة في زمن يغلي بالشر

7. داود النبي لم يكن استثناءً.. بل كان بشراً مثلنا

كنت أظن أن داود كان مباركاً بشكل خارق، وأنه يعيش في زمن مختلف، حيث الشر له وجه واضح والخير له أبطال واضحون. لكن بعد البحث والقراءة، اكتشفت العكس. داود كان يعيش في زمن لا يقل فساداً عن زماننا، بل ربما كان أقسى. كان مطارداً من ابنه، محاصراً من أعدائه، خانوه أقرب الناس إليه. لكنه استطاع أن يقول “لا أخاف شراً”.

ليس لأنه كان خارقاً، بل لأنه عرف السر. السر ليس في قوة داود، السر في قوة من كان معه. داود لم يقل “أنا لا أخاف“، بل قال “لا أخاف لأنك أنت معي“. هذا هو الفرق الجوهري. نحن نخطئ عندما نظن أن الأبطال خارقون. هم بشر مثلنا، لكنهم يعرفون شيئاً ننساه: أن هناك من يمشي بجانبهم، وهذا كافٍ.

8. لحظة السقوط التي تسبق القيامة

يأتي وقت في حياة كل إنسان يسقط فيه كل شيء. سقطت أنا. سقطت عندما خذلني من توقعت نصرتهم. سقطت عندما رأيت القسوة بعيني. سقطت عندما أغلقت الأبواب في وجهي واحدة تلو الأخرى. في قاع السقوط، حيث لا يوجد شيء تتمسك به، حيث الظلام دامس والوحدة قاتلة، حدث ما لم أتوقعه. في قاع اليأس فهمت. فهمت أن السقوط ليس نهاية الطريق، بل هو بدايته الحقيقية.

لم أفهم شيئاً وأنا واقف على قمة الظنون. لم أفهم شيئاً وأنا محاط بالأمن الزائف. فهمت فقط عندما سقطت كل الأقنعة، وتهاوت كل الجدران، وبقيت وحدي مع حقيقة لا مفر منها: إما أن أستسلم، أو أؤمن أن هناك من يمسك بي. اخترت الإيمان.

9. “لا أخاف” لا تعني غياب الشر بل حضوره

هذا هو السر الذي غير حياتي. “لا أخاف” لا تعني أن الشر قد اختفى أو أن الأشرار قد ماتوا. لو كان الشر غائباً، لما احتجنا إلى قول “لا أخاف“. الجملة تصبح عبثية في عالم بلا خطر. قوة “لا أخاف” تأتي من أنها تُقال في مواجهة الخطر، وليس في غيابه. أن تقول “لا أخاف” والخطر يحيط بك من كل جهة،

هذا هو الإيمان الحقيقي. أن ترى الشر بعينيك، تلمسه بأصابعك، تشمه بأنفك، ومع ذلك ترفع رأسك وتقول “لا أخاف“، هذا هو الانتصار. ليس انتصار الجيوش، بل انتصار الروح. لهذا السبب، لم أعد أتمنى أن يختفي الشر. أتمنى أن تكون قوتي أكبر من الخوف الذي يسببه. لأن الشر سيظل موجوداً ما دامت البشرية موجودة. لكن الخوف يمكن أن يختفي.

10. لو كان الشر غائباً لما احتجنا إلى الشجاعة

الشجاعة ليست غياب الخوف، الشجاعة هي أن تخاف وتفعل مع ذلك. والإيمان ليس غياب الشر، الإيمان هو أن ترى الشر وتؤمن بالخير رغم ذلك. لو كان العالم مليئاً بالورود والفراشات، لما احتجنا إلى الإيمان. الإيمان يزهر في التربة القاسية، كما تزهر الزهور في الصحراء بعد المطر.

شرور العالم ليست دليلاً على غياب الرب، بل هي ساحة التدريب التي نصقل فيها إيماننا. الجندي لا يتدرب في غرفة مكيفة، بل في وحل المعارك. والمؤمن لا يتقوى في كنيسة هادئة فقط، بل في زمن الاضطهاد والخيانة والخذلان. لهذا السبب، لم أعد أكره وجود الشر. صرت أراه فرصة لأثبت أن إيماني ليس كلمات في كتاب، بل حياة تعاش.

11. الراعي الأقوى ليس من يمنع العاصفة بل من يمشي فيها معنا

كثيرون يتصورون أن الرب القوي هو الذي يمنع العواصف من أن تأتي. لكن الحقيقة مختلفة. العواصف ستأتي، هذا مؤكد. السؤال ليس “لماذا أتت العاصفة؟” بل “من معي في العاصفة؟“. الراعي الأقوى ليس الذي يبني جداراً حول خروفه ليمنع الرياح، بل الذي يمشي إلى جانب الخروف في قلب العاصفة، يهمس في أذنه: “أنا هنا، لا تخف”. هذا هو جوهر الإيمان.

ليس وعوداً بسعادة خالية من الألم، بل وجود في الألم. هذا الوجود هو ما يجعل “لا أخاف” ممكنة. لأن الخوف يختفي عندما نعرف أننا لسنا وحدنا. لا يهم كم كانت العاصفة قوية، ولا يهم كم كان الشر عظيماً. المهم أن من معي هو الأقوى، وهو لن يتركني أبداً.

12. الخطر لم يختفي.. لكن شيئاً في داخلي تغير

عدت الى وطني فوجدت أن الشر ما زال موجوداً كما كان وزاد كثيرا. لا زالت العيون تراقب، والقلوب تخون، والألسنة تغتاب. لا زالت الأسواق تغش، والمكاتب تسرق، والعلاقات تتصدع. لم يتغير العالم الخارجي كثيراً. لكن شيئاً في داخلي تغير. العدسة التي أنظر بها إلى العالم تبدلت. لم أعد أرى الشر كتهديد يلاحقني، بل كخلفية أمارس فيها إيماني. الخطر لم يختفِ، لكن الخوف الذي كان يشل حركتي بدأ يتلاشى.

ليس لأني أصبحت قوياً، بل لأني عرفت من هو الأقوى. الخطر موجود، لكنه لم يعد يتحكم بي. هذا هو الفرق بين من يعرف راعيه ومن لا يعرفه. كلاهما يواجه نفس العواصف، لكن أحدهما يغرق والآخر يطفو. ليس لأن الماء يختلف، بل لأن الطفو يأتي من الثقة في اليد التي تمسكنا.

13. معرفة من يمشي بجانبي: أعظم يقين في الوجود

كل شيء في الحياة يمكن أن يتغير ويهتز. الأهل يخذلون، الأصدقاء يتخلون، الصحة تتهاوى، المال يتبخر. لكن هناك شيء واحد إذا ثبت، ثبت كل شيء: معرفة من يمشي بجانبي. ليس معرفة نظرية، بل معرفة قلبية، خبرة حياة، يقين لا يتزعزع. هذه المعرفة هي التي جعلت داود يقول “لا أخاف شراً”. لم يكن يعلم متى ستنتهي مطاردته، لكنه كان يعلم من يمشي معه.

ونفس هذه المعرفة هي ما أمسكت بها في قاع يائسي. لم أعد أسأل “لماذا يحدث هذا؟“، بل صرت أقول “أنت معي، وهذا يكفي”. هذه الجملة الصغيرة غيرت كل شيء. لأنها حولت نظري من حجم المشكلة إلى حجم من معي. ومن يعلم حجم من معي، لا يمكن أن يخاف.

14. لست أخاف.. ليس لأن الشر مات، بل لأن من معي لا يموت

أختم هذه الرحلة بهذه الجملة التي صارت شعار حياتي. لست أخاف. ليس لأن الشر اختفى أو تحول إلى ملاك. لا زال الشر موجوداً، بل ربما صار أشرس. لكني لست أخاف. ليس لأني قوي أو شجاع، بل لأن من معي أقوى من كل الشرور مجتمعة. ومن معي لا يموت. الأهل يموتون، الأصدقاء يموتون، حتى الأعداء يموتون. لكن الراعي حي لا يموت.

وهذا هو السر الذي يجعل “لا أخاف” ممكنة. ليس اختفاء الخوف، بل استبدال الخوف من البشر بالطمأنينة بالراعي. لم أعد خائفاً من غدر البشر، لأني لم أعد أعلق أملي عليهم. لم أعد خائفاً من فساد المجتمع، لأني لم أعد أنتظر منه الخلاص. لم أعد خائفاً من الموت نفسه، لأني أعرف من يمسك يدي في الظلمة.

لا أخاف شراً: الجملة المستحيلة في زمن يغلي بالشر
لا أخاف شراً: الجملة المستحيلة في زمن يغلي بالشر

التوصيات

أولاً: لا تنتظر أن يختفي الشر لتشعر بالأمان. الشر سيظل موجوداً، لكن الأمان الحقيقي يأتي من معرفة من يمشي بجانبك.

ثانياً: لا تطلب من البشر ما لا يملكون. هم يخطئون ويخذلون ليس لأنهم أشرار، بل لأنهم بشر محدودون.

ثالثاً: الخوف ليس ضعفاً، لكن الاستسلام له هو الضعف. يمكنك أن تخاف وتفعل رغم الخوف. هذا هو معنى الشجاعة.

رابعاً: لا تقارن نفسك بداود أو أي نبي ظناً أنهم كانوا خارقين. هم بشر مثلك، والفرق الوحيد أنهم عرفوا سر الراعي.

خامساً: عندما يسقط كل شيء، تمسك بالحبل الوحيد الذي لا ينقطع. جرب أن تقول “لا أخاف” وأنت في قاع اليأس، قد تتفاجأ بالنتيجة.

سادساً: لا تشغل بالك بمن يراقبك أو يغتابك. من معك هو الأهم. الباقي مجرد ضجيج لا يستحق أن يسرق سلامك.

سابعاً: كل صباح، قبل أن تبدأ يومك، قل لنفسك: “لست وحدي. من معي لا يموت. لا أخاف.”


الخاتمة

الآن، وأنا أنهي هذه الكلمات، جالسا أمام نافذة غرفتي قبالة بحر بعيد أراقب غروب الشمس، أعود بذاكرتي إلى الأيام التي كنت أرتعش فيها خوفاً. خوفاً من غدر صديق، من خيانة قريب، من فساد مجتمع. أيام كان الشر يبدو لي كعملاق لا يقهر. أيام كانت جملة “لا أخاف شراً” تبدو لي كسخرية قاسية. لكن اليوم، وبعد كل ما رأيته وعشته، أقولها بملء فمي: لا أخاف شراً. ليس لأن الشر صار أقل شراً، بل لأني عرفت من هو الأقوى. ليس لأن العالم صار أعدل، بل لأني لم أعد أنتظر العدالة من العالم. ليس لأني أصبحت قوياً.

بل لأني عرفت من هو القوي الحقيقي، وعرفت أنه معي. ها أنا أمشي في وادي ظل الموت، لكني لا أخاف. الشر لا زال موجوداً. العيون لا زالت تراقب. القلوب لا زالت تخون. لكني لا أخاف. لأن الراعي معي. عصاه وعكازه يعزيانني. وهذا يكفي. وهذا سيكفي دائماً. إلى آخر العمر، وفي كل وديان الظل، سأرددها: لا أخاف شراً. لأنك أنت معي.

مواضيع ذات صلة

downloadsoft.net