التصنيفات
تنمية بشرية

غربة القلب حين يكون الوطن أقسى من المنفى – قصة مغترب

غربة القلب حين يكون الوطن أقسى من المنفى

قصة مغترب عاد الى وطنه: المقدمة

دعوني أحكي لكم قصتي، ليس لأنني أبحث عن شفقة، بل لأنني أريد أن يفهم أحدكم كيف يشعر الرجل الذي يعيش سبعة عشر عاماً في بلاد الغربة، يظن أن العودة إلى الوطن ستكون نهاية كل ألم، ثم يفاجأ أن الوطن نفسه هو الذي يكسر ما تبقى منه. اسمحوا لي أن أبدأ من النهاية: لم أشعر بالغربة في أوروبا أبداً، ولا يوماً واحداً. الغربة الحقيقية، تلك التي تقتل الروح، شعرت بها عندما هبطت على أرض وطني، عندما فتحت ذراعي لأهل لي لم يعد في قلوبهم مكان لي. سأروي لكم تفاصيلي، لأن ما حدث معي ليس استثناء، بل هو القاعدة الآن في بلاد مزقتها الحروب والفوضى.

“لم أشعر بالغربة أبداً طوال سبعة عشر عاماً في أوروبا. الغربة والترك والقسوة شعرت بها في وطني ووسط أهلي.”

 غربة القلب حين يكون الوطن أقسى من المنفى

غربة القلب حين يكون الوطن أقسى من المنفى
غربة القلب حين يكون الوطن أقسى من المنفى

حب الذات الذي أكل قلوبهم قبل أن يأكل الخبز

لقد تركت وطني قبل سبعة عشر عاماً، كان الناس هناك مختلفين. كنت أتذكر الجار يسأل عن جاره قبل أن يسأل عن نفسه، والغريب يُكرم، والفقير يُعان. لكن عندما عدت، وجدت أن كل شيء انقلب. صار كل إنسان لنفسه، بل صار الإنسان يبحث عن فرصة ليأكل الآخر قبل أن يأكل هو. حب الذات الذي أتحدث عنه ليس حباً صحياً، إنه نوع من الجنون الأخلاقي حيث يصبح الآخر مجرد أداة أو عائق. رأيت بأم عيني كيف يتخلى الأبناء عن أهلهم العجزة، وكيف يتركونهم وحيدين تائهين، وكأن أمهم لم تلدهم ولم ترضعهم. هؤلاء ليسوا إناسا، بل مخلوقات غريبة عن كل ما علمتني إياه الطفولة.

صدمة العائد بعد سبعة عشر عاماً من الأمل

طوال سنوات غربتي، كنت أرسم في خيالي صورة العودة وكأنها فيلم سينمائي: أهلي يقفون على الباب، الدموع تنهمر، الأسئلة الحارة تملأ المكان. لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة من أن يتخيلها جبان. عندما وصلت، لم يكن هناك من ينتظرني إلا اختي وعائلتها فقط. وباقي أولئك الذين تذكرتهم في ليالي الشتاء الباردة استقبلوني وكأنني غادرت الأمس فقط. لم يسأل أحد عن تعبي، عما حملته في صدري من حنين طوال تلك السنوات. السؤال الأول كان عن مالي، عن هداياي، عن ما يمكن أن أقدمه لهم. كأنني لم أكن قريبهم، بل شحاذ يحمل حقيبة وهمية. في تلك اللحظة، شعرت بشيء ينكسر بداخلي، شيء لن يعود كما كان أبداً.

أوروبا التي لم تكن غربة والوطن الذي صار منفياً

اعترفوا أو لا تعترفوا، أوروبا كانت ألطف معي من أهلي. هناك، كنت غريباً في بلدهم، لكنهم عاملوني بالقانون والاحترام. جاري الأوروبي لم يسرق حديقتي، مديري لم يطعنني في ظهري، الشرطي كان يحميني لا يخيفني. نعم، هم باردون، لا يبكون معك، لكنهم أيضاً لا يكذبون عليك. أما في وطني، فوجدت دفئاً زائفاً يحرق. العناق الحار يتبعه طعن حار، والكلام المعسول يتبعه غيبة لاذعة. تعلمت هناك أن البرودة المنظمة أكثر أماناً من ألف قبلة على الخدين تسبقها خيانة. هذه هي المفارقة التي لن يفهمها إلا من جربها: أوروبا كانت وطني المعنوي، ووطني صار غربتي الفعلية.

الخيانة التي لم أتوقعها من أقرب الناس إلي

ليس هناك جرح أعمق من جرح يأتي من يد كنت تقبلها. لقد تعرضت للخيانة من أشخاص حملتهم في قلبي طوال سنوات غربتي، كتبت لهم رسائل لم يردوا عليها، لكني كنت أعتذر لهم في خيالي: هم مشغولون، حياتهم صعبة. عندما عدت، اكتشفت أنهم لم يكونوا مشغولين، بل كانوا منشغلين بأنفسهم فقط. صفقات تمت خلف ظهري، أموال اختفت، وعود تبخرت. أتعلمون ما هو المؤلم؟ أنهم لا يشعرون بالذنب. لقد برروا لأنفسهم أن البقاء للأقوى، وأن من لا يأكل يؤكل. هذا ليس عذراً، هذا هو تعريف المسخ البشري. الحيوان إذا افترس فبدافع الجوع، لكنهم افترسوا وأنا أقرب الناس لهم.

الجدة ذات السابعة والثمانين التي تموت كل يوم

سأعطيكم صورة واحدة تعبر عن كل ما أريد قوله. في عائلتي، هناك امرأة عجوز، عمرها سبعة وثمانون عاماً، كانت هي من ربَّتنا، من ضحت بحياتها لأجلنا. عندما عدت، وجدتها تعيش وحيدة في غرفة باردة، أبناؤها في البيوت المجاورة لا يسألون عنها. سمعها ضعيف، ذاكرتها تختفي، لا تجد من يدللها أو حتى من يشتري لها دواء. هذه العجوز هي أمهم! في مجتمعنا القديم، كان كبار السن قادة وعناوين للبركة. الآن صاروا أرقاماً نتمنى أن تموت حتى نرتاح منهم. ليس هذا إهمالاً فقط، هذا انهيار للضمير الجمعي. إذا كانت الأم بهذه المكانة، فمن سيكرم بعدها؟ رأيتها تبكي يوماً، ليس لأنها جائعة، بل لأنها شعرت بأنها لم تعد تهم أحداً. تلك الدمعة كانت خلاصة كل ما أراه.

كيف حولت الحرب والفساد الإنسان إلى وحش؟

اسمعوا جيداً، أنا لا أبرر لهم، لكني أحاول أن أفهم. عندما تنهار الدولة، وتختفي الفرص، ويصبح الغد مجهولاً، يتحول الإنسان إلى كائن مختلف. الجوع معلم قاسٍ، والخوف يغير كيمياء الدماغ. رأيت شباباً يحملون شهادات علمية يبحثون عن قمامة يأكلون منها. رأيت آخرين باعوا ضمائرهم لقاء وجبة طعام. لست أقول إنهم جميعاً أشرار، لكن الظروف القاسية تختبر معادن البشر، وكثيرون لا يتحملون الاختبار. الفساد سمم كل شيء، حتى الروابط العائلية. صار الناس يتنافسون كالذئاب، لا كإخوة. وأنا، الذي عشت بعيداً عن كل هذا، عدت لأجده في أبهى صوره. الفرق أنني لم أتلوث بهذا الوباء بعد، لكنهم قالوا لي: سوف تتلطخ مثلم، فقط انتظر.

غربة القلب حين يكون الوطن أقسى من المنفى
غربة القلب حين يكون الوطن أقسى من المنفى

الأمان الذي لم أجده بين أهلي ووجدته بين الغرباء

دعوني أسألكم سؤالاً بسيطاً: متى شعرت بالأمان آخر مرة؟ أنا في أوروبا، كنت أنام وقلبي مرتاح. القانون يعرف اسمي، الشرطي صديق لا عدو، العمل يحميني. هناك، حتى لو تعرضت للظلم، كنت أعرف إلى أين أتجه. في وطني، كل شيء غير مؤكد. الرجل الذي تصافحه في الصباح قد يخونك في المساء، والمدير الذي يبتسم لك قد يطردك دون سبب، والحكومة التي تحكمك قد تكون عصابة كبرى. الأمان ليس مجرد أمن شرطي، الأمان أن تعرف أن من حولك لن يؤذيك. أنا في وطني شعرت بالخوف من أهلي، وهذه هي الكارثة. خفت أن أترك حقيبتي مع أقرب الناس لي، خفت أن أصدق قريباً لي، خفت أن أظهر ضعفي أمام أمي. أي وطن هذا الذي تجعلني أخاف من أقرب الناس لي؟


سؤال الله الذي لم أعد أملك جواباً له

اعترف لكم بشيء لم أقل لأحد من قبلكم. في ليالي أوروبا الطويلة، كنت أرفع رأسي إلى السماء وأشكر ربي أن حفظ لي أهلي ووطني. كنت أتخيل أنهم بخير، أنهم يصلون لأجلي، أن هناك رحمة تغمرهم. لكن عندما عدت، رأيت مشاهد هزت إيماني. لا أقول إنني كفرت، لكن سؤالاً ثقيلاً يلح علي: أين الله من كل هذا؟ طفل يموت جوعاً، وظالم يضحك، وعجوز تهمل.

لقد تحدثت مع أحدهم عن إيمانه، قال لي بسخرية: “الله مشغول بأوربا يا صاحبي، نسينا هنا”. هذه النكتة المريرة حملت بداخلها كل الألم. ليس الإلحاد رفاهية فكرية، بل أحياناً يكون نتيجة طبيعية لعجز الرؤية. عندما تنهار الغريزة الفطرية التي تقول “لا بد أن هناك عدالة ما”، ينهار كل شيء. أنا لم أنهر بعد، لكني قريب. وقريب جداً.

النفاق الذي أصبح أسلوب حياة

تعلم الناس في وطني ألا يقولوا ما يعتقدون. الابتسامة الصفراء هي العملة المتداولة، والمديح الكاذب هو لغة التواصل. رأيت بأم عيني من يبكون معك في وجهك ويمزقونك في غيابك. المجتمع تحول إلى مسرح هائل، كلنا ممثلون، والصدق هو الدور الأقل أجراً. أنا لم أتعلم هذه المهارة. وجعي واضح على وجهي، خيبتي لا أستطيع إخفاءها. لذلك اتهموني بالغطرسة والتعالي. هم لا يحتملون مرآة تعكس حقيقتهم. النفاق أصبح غريزة دفاع، ليس خياراً. إذا قلت الحقيقة، تخسر. إذا أظهرت حبك، تصبح ضعيفاً. إذا بكيت، يضحكون عليك. هناك كذبة كبرى يعيشون فيها: أنهم بخير، أنهم متماسكون، أنهم أقوياء. وكلهم في قرارة أنفسهم ينهارون.

كيف يتحول الإنسان إلى مسخ بشري؟

سأصف لكم ما رأيته دون تجميل. المسخ البشري ليس له قرون أو ذيل، لكنه يلبس مثلنا ويأكل مثلنا. تعرفه من عينيه الزجاجيتين التي لا تعكس أي مشاعر، من كلامه المعسول الذي لا يصدقه هو نفسه قبل أن لا تصدقه أنت، من قدرته على خيانة أقرب الناس إليه ثم النوم كالطفل. هؤلاء لم يولدوا هكذا. الحرب والبطالة والموت المتكرر للقريبين صهرتهم في قوالب قاسية.

رأيت عالماً في الغرب يقول إن الصدمة المتكررة تغير كيمياء الدماغ، تجعل المناطق المسؤولة عن التعاطف في حالة إرهاق دائم. هذا تفسير علمي، لكن الروح ترفضه. أنا رأيت أخي الذي كان يبكي على موت عصفور، أصبح لا يبكي على موت أخيه. هذا هو المسخ. حفاظهم على شكلهم البشري هو أسوأ ما فيهم، لأنه يخدعك. تقترب منهم لتجد قلوباً متحجرة.

لماذا فشل التكافل الأسري والمجتمعي؟

في ثقافتنا، كنا نفتخر بالعائلة الكبيرة، بالزيارات، بالوقوف بجانب بعض. كنت أظن أن هذا هو كنزنا الذي لا يضاهيه كنز. لكني اكتشفت أن التكافل الاجتماعي تحول إلى شعارات فارغة. الأسرة لم تعد وحدة دعم، بل ساحة صراع. الورثة يتشاجرون قبل موت مورثهم، الإخوة يقطعون بعضهم لأتفه الأسباب. سألت أحد الحكماء هناك عن السبب.

قال لي: “لما صار الجوع هو الحاكم، صارت المودة ميتة”. وأنا أصدقه. البطالة تجعل الإنسان أنانياً لأنه لا يملك ما يعطي. الخوف يجعله متشنجاً. الفساد يجعله ساخراً. ثلاثتهم معاً كفيلون بتفكيك أقوى الروابط. صديقي الذي كان أحب إلي من روحي، صار لا يرد على اتصالاتي لأنه يظن أنني أريد أن أستعيره مالاً. وما أحراه أن يظن ذلك، فقد صار كل من يتصل هو طالب حاجة. تحولت العلاقات الإنسانية إلى معاملات تجارية.

غربة حقيقية في وطني ودفء مزيف في الغربة

أعود إلى الجملة التي كررتها كثيراً: لم أشعر بالغربة في أوروبا. هل تعلمون لماذا؟ لأن الغربة الحقيقية ليست أن تختلف عن الآخرين، بل أن تتفق معهم في الشكل فقط. في أوروبا، أنا مختلف. شكلي، لهجتي، تقاليدي، كلها مختلفة. ولهذا فإن أي لفتة طيبة منهم كانت تدهشني وتدخل الفرح إلى قلبي. أنا هناك غريب متوقع.

لكن في وطني، أنا واحد منهم. أتحدث لغتهم، أحمل اسمهم، أشاركهم تاريخهم. وعندما يتصرفون بوحشية معي، لا أستطيع أن أقول “هذا لأنهم مختلفون” بل أقول “هذا لأنهم مثلي، وهذا ما صاروا إليه، وهذا يعنيني”. الألم مختلف. الخيانة من شبيهك أقسى. الشعور بأنك لم تعد تنتمي إلى من يفترض أنهم ينتمون إليك، هذا هو الاغتراب الذي يقتل. هناك من يبحث عن وطن بديل، أنا وجدت أن وطني البديل كان هو الغربة نفسها.

ماذا تعلمت من رحلة العودة المخيبة؟

سأكون صادقاً معكم، التعلم كان مؤلماً.

أول ما تعلمته: لا تبني أوطاناً في الخيال. الخيال جميل لكنه كاذب. كنت أحلم بوطن لا وجود له، بأهل لم يعودوا كما تركهم.

ثانياً: قبل أن تعود، تأكد أن هناك من يريد عودتك.

ثالثاً: الحب والمال لا يجتمعان في حقيبة واحدة، وإذا أردت اختيارهما، فاختر من يحبك قبل من يحتاج مالك.

رابعاً: الرحيل قد يكون حلاً، ليس هروباً، بل بحثاً عن بيئة تحترم إنسانيتك. أنا لم أهرب من وطني أول مرة، هاجرت لأبحث عن عمل. لكني الآن أفكر في الهجرة مرة أخرى، ليس هرباً من فقر، بل هرباً من قسوة القلوب.

أسوأ ما في الأمر أنهم لن يتأثروا برحيلي. لقد غبت سبعة عشر عاماً، ولم ينقصهم شيء. سأغيب للأبد، ولن يكترث أحد. هذه هي الوحشية بعينها.

هل تبقى بصيص من أمل؟

لا أريد أن أنهي قصتي بيأس كامل، رغم أن كل شيء بداخلي يصرخ يأساً. بقيت لدي قناعة واحدة: الخير لم يمت تماماً. هناك أفراد، قلة، لا يزالون يمتلكون قلوباً نابضة. رأيت شاباً فقيراً شاركني رغيف خبزه دون أن يعرفني. رأيت امرأة عجوزاً لم تتركني أبكي وحدي. هؤلاء هم الأمل. ربما الحل ليس في تغيير المجتمع كله، فهذا فوق طاقتي، بل في أن أبحث عن أولئك القلة وأحيط نفسي بهم.

وربما أستطيع أن أكون أنا واحداً منهم لمن هو أضعف مني. صحيح أنني جريح، لكن جروحي لم تنزف كل إنسانيتي بعد. هناك من يقول إن العودة إلى أوروبا هي الحل. ربما. ولكن قبل ذلك، أريد أن أحاول أن أخلق غربة جديدة داخل وطني: غربة عن الفساد، غربة عن النفاق، غربة عن قسوة القلوب. قد أكون وحيداً في هذه الغربة، لكنها على الأقل غربة نابضة بالحياة، وليست غربة ميتة بين الأحياء.

التوصيات: غربة القلب حين يكون الوطن أقسى من المنفى

لن أقدم لكم توصيات أكاديمية جافة، سأقدمها كمن نجا من غرق.

أولاً: إذا كنت مغترباً وتفكر في العودة، فزر بلدك أولاً كسائح، وابقَ لفترة كافية، وانظر بعين ناقدة لا بعين الشوق.

ثانياً: لا تتخلى عن أموالك أو ممتلكاتك قبل أن تتأكد من نوايا من حولك.

ثالثاً: احتفظ بعلاقاتك الجيدة في بلاد الغربة، فقد تكون هي ملاذك المعنوي إذا انهار كل شيء.

رابعاً: تذكر أن اللامبالاة التي تراها هي مرض، لا صفة أصلية في الناس، فلا تكرههم، لكن لا تثق بهم بسرعة.

خامساً: ابحث عن مجتمع صغير من الأشخاص الإيجابيين حتى لو كان افتراضياً على الإنترنت، فهم سيساعدونك على ألا تصبح مثلك.

سادساً: لا تحكم على وطنك من خلال ذكريات طفولتك، فالطفولة وردية في كل مكان، والنضوج أن ترى الأشياء بلونها الحقيقي. غربة القلب حين يكون الوطن أقسى من المنفى

غربة القلب حين يكون الوطن أقسى من المنفى
غربة القلب حين يكون الوطن أقسى من المنفى

الخاتمة

أنا الآن أقف على مفترق طرق. إما أن أعود إلى أوروبا لأعيش غربة مريحة، وإما أن أبقى في وطني لأعيش غربة قاسية. في كلتا الحالتين، أنا غريب. الفرق أن الغربة الأولى كانت خياري، والثانية كانت فرضاً عليّ. أكثر ما يحزنني ليس ما حدث لي، لكن ما حدث لنا جميعاً. تحولنا إلى شعوب تتهاوى قيمها قبل أن تتهاوى جدرانها. صرنا نضحك على من لا يزال طيباً، ونصفق لمن ينجح بالغش، ونكرم من يمتلك المال مهما كان مصدره.

سألت نفسي: أين اللعبة التي كنت ألعب بها في الزقاق؟ أين ذلك الجار الذي كان يهدينا الألعاب والحلويات؟ أين ذلك البائع الذي كان يرد الجميل بالدعاء؟ كلهم ماتوا، ليس موت الأجساد، بل موت أشد: موت القلوب.

وستبقى جملتي الأخيرة وصيتي لكل من يسمع قصتي: لم أشعر بالغربة أبداً طوال سبعة عشر عاماً في أوروبا. الغربة والترك والقسوة شعرت بها في وطني ووسط أهلي. من يفهم هذه الجملة، فقد فهم كل شيء. ومن لا يفهمها، فلن تفيده آلاف القصص والكلمات.

مواضيع ذات صلة

downloadsoft.net

بواسطة كتـاب النـور

موقع كتاب النور يساهم في نشر العديد من المواضيع حول الشؤون الإنسانية، الروحية، الثقافية، والعلمية بالإضافة للشروحات وتحميل برامج مجانية وغيرها الكثير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *