هل البخيل يعرف الله؟ حين يصلي الجسد وتنام الروح
هل البخيل يعرف الله؟ حين يصلي الجسد وتنام الروح
المقدمة
كنت أسقي الزهور في حديقة بيتي، وأنظر إلى العشب الأخضر كيف يخضر، وإلى الورود كيف تتفتح، وإلى الشمس كيف تشرق على الجميع بلا تمييز. فجأة، خطر على بالي سؤال لم يغادرني منذ ذلك اليوم: لماذا نتعامل مع الله بعكس ما نراه في الطبيعة؟ الطبيعة كلها تعطي بلا حدود. الشمس لا تسأل من يستظل بها. المطر لايختار من يسقي.
لكننا، نحن البشر، نعطي الله فضلة وقتنا، وفضلة جهدنا، وفضلة حضورنا. نعطيه ساعة مشتتة يوم الأحد، وعقولنا في السوق، وقلوبنا في الصفقات. ثم نخرج من الكنيسة ونقول: “أديت واجبي“. كيف يعرف الله من يبخل عليه بحضوره الحقيقي؟ هذا السؤال ليس اتهاماً، بل هو محاولة لفهم هذا التناقض الصارخ بين كرم الله المطلق وبخل الإنسان المقنع.

1. لحظة سقي الزهور: كيف ألهمتني الطبيعة هذا السؤال؟
في صباح هادئ، كنت أقف لأروي حديقتي. رأيت قطرة الماء تسقط على الزهرة فتنفتح أكثر. رأيت العشب الجاف يعود إلى الخضرة بعد أن يمسه الماء. تأملت كم هو كريم هذا الخالق الذي جعل الماء ينزل من السماء مجاناً، وجعل الشمس تشرق على الجميع، وجعل الأرض تعطي ثمارها بلا مقابل. كل شيء في الطبيعة يعطي بلا حساب.
لا توجد شجرة بخيلة تمنع ثمارها عن الجائع. لا يوجد نهر بخيل يمنع ماءه عن العطشان. في تلك اللحظة، شعرت بالخجل. خجلت لأنني أحياناً أتعامل مع الله كما أتعامل مع صفقة: أعطيه القليل، وأنتظر منه الكثير. خجلت لأنني قد أذهب إلى الكنيسة بجسدي فقط، وقلبي في مكان آخر. عندها خطر على بالي سؤال: من أين يأتي هذا البخل الروحي إذا كان كل الكون يعطي بسخاء؟
هذا التناقض هو ما جعلني أفكر طويلاً. الإنسان البخيل روحياً هو نشاز في سيمفونية الخليقة. الطبيعة كلها تسبح الله بعطائها. الورد يتسبح بألوانه، والشمس تتسبح بأشعاعها، والبحر يتسبح بأمواجه. لكن البخيل الروحي يتسبح بفمه فقط، وقلبه معلق في مكان آخر. يدخل الكنيسة بجسده، لكن روحه في السوق. يردد الصلوات بشفتيه، لكن عقله في صفقاته. هذه هي المأساة التي أردت أن أفهمها. ليس البخل على المال فقط، بل البخل على الله بحضورك الحقيقي.
2. الله أعطاك سبعة أيام.. وأنت ترد له ساعة مشتتة
تأمل معي عطايا الله لك. أعطاك أسبوعاً كاملاً: سبعة أيام، 168 ساعة، 10,080 دقيقة. في هذا الأسبوع، تنام، وتأكل، وتعمل، وتلهو، وتضيع وقتاً، وتستثمر وقتاً. ثم يأتي يوم الأحد. تذهب إلى الكنيسة. تبقى هناك ساعة، ربما أقل. وفي هذه الساعة، ماذا يفعل عقلك؟ يفكر في عمل لم يُنجز، في صفقة تخشى ضياعها، في مشكلة تنتظر حلاً، في مكسب يلوح في الأفق. جسدك في الكنيسة، وروحك في السوق. ثم تخرج من الكنيسة وتشعر أنك “أديت واجبك” تجاه الله. هل هذا كرم؟ هل هذه عبادة؟ أين الكرم في أن تعطي الله فضلة وقتك؟ أين الحب في أن تمنحه ما تبقى من جهدك؟
الله لم يطلب منك أسبوعاً كاملاً. طلب منك ساعة واحدة فقط. ساعة واحدة من أصل 168 ساعة. ليس هذا كثيراً. لكنه طلب منك أن تكون حاضراً فيها بقلبك، لا بجسدك فقط. أن تصلي بعقلك، لا بشفتيك فقط. أن تلتقي به بروحك، لا بحركاتك الجسدية. البخيل ليس فقط من يبخل بماله. البخيل هو من يعطي الله وقته وهو مشتت. من يحضر جسدياً ويغيب روحياً. من يردد الصلوات بكآلة وقلبه في مكان آخر. هذا بخيل من نوع آخر، بخيل على الله بحضوره الحقيقي.
3. ساعة مشتتة في الكنيسة: هل هذه عبادة أم إهانة؟
لنتأمل صلاة البخيل الروحي. يقف في الكنيسة، يرفع يديه، لكن عينيه تائهة. يفكر في عمله، في أمواله، في مشاكله. يردد الصلوات كما يردد التلميذ الدرس الذي لا يفهمه. جسده في مكان، وروحه في مكان آخر. هذا ليس حضوراً. هذا غياب مقنع. إنها كمن يدعوك إلى عشاء في بيته، ثم يتركك وحدك ويذهب لمشاهدة التلفاز. هل تشعر أنك مُكرَم؟ هل تشعر أنك مرغوب فيه؟ بالطبع لا. ستشعر بالإهانة. فكيف تظن أن الله لا يشعر بالإهانة عندما تأتي إلى بيته (الكنيسة) وتكون حاضراً بجسدك فقط، وروحك مع غيرهم؟
العبادة الحقيقية ليست حركات جسدية. العبادة الحقيقية هي حضور القلب. هو أن تترك كل شيء خارج باب الكنيسة وتقف بين يدي الله وكأنه لا شيء في الوجود أهم من هذه اللحظة. هذا هو الكرم الروحي. أن تعطي الله وقتك الكامل، حضورك الكامل، انتباهك الكامل. أما أن تعطيه ساعة مشتتة، وعقلك في الخارج، فهذا ليس كرماً، هذا إهانة مقنعة. هذا بخيل يتصدق بوقته الفارغ على خالق الكون. هذه هي المفارقة التي يجب أن ترعبنا: نطلب من الله أن يسمع صلاتنا، ونحن لا نسمع حتى ما نقول.
4. البخيل ليس فقط من يبخل بماله.. بل من يبخل بحضوره
في ثقافتنا، عندما نقول “بخيل“، يتبادر إلى الذهن من يبخل بالمال. لكن البخل أوسع من ذلك بكثير. هناك من يبخل بوقته. هناك من يبخل بجهدهم. هناك من يبخل بحضورهم. الأب الذي يعطي أولاده المال، لكنه لا يعطيهم وقته، هو أب بخيل. الزوج الذي يعطي زوجته الهدايا، لكنه لا يعطيها انتباهه، هو زوج بخيل. والمؤمن الذي يعطي الله صلواته، لكنه لا يعطيه حضور قلبه، هو مؤمن بخيل. البخل ليس في كمية ما تعطي، بل في جودة ما تعطي. يمكنك أن تعطي الكثير، لكنك تبقى بخيلاً إذا أعطيته وأنت مشتت، غير مكترث، غير حاضر.
في علاقتنا مع الله، البخل الأكبر ليس في تقديم القليل من المال للفقراء. البخل الأكبر هو أن نقف بين يديه ونحن مشتتون. أن نصلّي بأفواهنا وقلوبنا بعيدة. أن نرتّل وأذهاننا في متاهات الحياة. أن نحضر القداس ونحن نفكر في ما سنأكله بعد القداس. هذا هو عين البخل الروحي. لأننا نعطي الله ما لا قيمة له: حضوراً مشتتاً، قلباً شارداً، عقلاً مشغولاً. ثم نخرج من الكنيسة ونعتقد أننا “عبدنا الله“. كلا. لقد أديت طقوساً، لكنك لم تعبده. العبادة تحتاج إلى حضور، والبخيل لا يحضر.
5. ماذا يطلب الأناني في صلاته؟ ومن ماذا يخاف؟
لنتأمل صلاة البخيل والأناني. ماذا يطلبون في صلواتهم؟ يطلبون الصحة، والمال، والأولاد، والنجاح، والأمان. كل طلباتهم تتمحور حول “أنا“. “أنا” أريد كذا. “أنا” أخاف من كذا. “أنا” أحتاج إلى كذا. لا تكاد تسمع في صلاتهم طلبة لأحد غيرهم. صلاتهم كلها “أنا، أنا، أنا“. هذه الأنانية في الصلاة تعكس أنانية في الحياة. هم يصلون لأنفسهم فقط. لا يطلبون لأخيهم المريض، ولا لجارهم المحتاج، ولا للمجتمع المنكوب. صلاتهم هي مرآة قلوبهم: قلوب مغلقة على نفسها، لا تتسع للآخرين. ولكن الأدهى أنهم لا يطلبون حتى لقاء الله نفسه. لا يطلبون قربه. لا يشتاقون إلى محضر. يطلبون فقط حاجتهم، ثم ينصرفون.
أما خوفهم، فهو الخوف من الفقر، والخوف من ضياع الوقت، والخوف من أن يأخذ منهم أحد شيئاً. يخافون أن ينقص رصيدهم. يخافون أن يضطروا إلى العطاء. هذا الخوف هو الذي يجعلهم يبخلون حتى على الله بقلوبهم. يظنون أن العطاء الروحي (الحضور، الانتباه، الصلاة العميقة) خسارة للوقت. يظنون أن التأمل في الله مضيعة للدقائق التي كان يمكن أن يستثمروها في صفقة. لكنهم لا يعلمون أن القرب من الله هو أعظم استثمار. دقيقة واحدة مع الله بحضور كامل، تساوي عند الله أكثر من ألف صلاة شاردة الذهن. هذا هو الكرم الحقيقي.
6. كرم بلا حدود مقابل بخيل يحصي دقائق عبادته
الله يعطي بلا حدود. يعطي الحياة، والهواء، والماء، والأرض، والسماء. لا يحصي عطاياه. لا ينتظر مقابلاً. يعطي الشمس للصالح والطالح. يعطي المطر للمؤمن والكافر. يعطي الصحة للجميع. ثم يأتي الإنسان البخيل، فيقف بين يدي الله ويحصي دقائق عبادته. يقول: “صلّيت 10 دقائق اليوم، واكتفيت“. يقول: “حضرت القداس ساعة، وأنجزت واجبي“. يا للهول! تقارن بين كرم الله اللامحدود، وبين عطائك المحدود الذي تحصيه؟ تظن أنك تقدم لله خدمة عندما تصلي له؟ تظن أنك تصنع له معروفاً عندما تذهب إلى الكنيسة؟
هذا ليس كرماً. هذا استعلاء مقنع. وكأن الإنسان يقول لله: “انظر، لقد أعطيتك من وقتي. الآن أعطني ما أريد“. هذه عقلية الصفقة، لا عقلية العبادة. الله لا يحتاج إلى صلاتك. الله غني عن العالمين. هو الذي يحتاج إلى صلاتك لكي ينفتح قلبك، لكي ترتقي روحك، لكي تصل إلى الكمال الذي خلقك له. عندما تصلي، أنت لا تقدم خدمة لله. أنت تقدم خدمة لنفسك. عندما تذهب إلى الكنيسة، أنت لا تمنح الله وقتاً. أنت تمنح نفسك فرصة للقائه. العابد الحقيقي يعطي الله وقته بحضور كامل، لأنه يعلم أن العطاء الحقيقي هو للروح، وليس للرب.

7. فضلة وقتك للرب: هل هذه عبادة أم إهانة؟
البعض يعطي الله فضلة وقته. يأتي إلى الكنيسة بعد أن أنهى كل شيء. بعد أن نام ما يشاء، وأكل ما يشاء، وضيع وقته فيما يشاء. ثم يقول: “تعال نذهب إلى الكنيسة“. هذا ليس كرماً. هذا إهانة. هذا كمن يدعوك إلى عشاء ويقدم لك بقايا طعامه. تعرف هذه النفسية في العلاقات البشرية: عندما تشعر أنك غير مرغوب فيه، يأتيك الدعوة متأخرة، أو يأتيك ما تبقى من وقت الآخرين. فكيف تظن أن الله لا يشعر بنفس الشيء عندما تأتي إليه متأخراً، أو عندما تعطيه بقايا وقتك؟
العبادة الحقيقية هي أن تعطي الله أول وقتك، وليس آخر وقتك. أن تبدأ يومك بالصلاة، لا أن تنهيه بها بعد أن تكون قد استنفدت طاقتك. أن تعطي الله أطيب لحظات حضورك، وليس دقائق التعب والشرود. الكرم الحقيقي هو أن تقدم لله ما تحبه أنت، وليس ما تبقى لديك. هل تحب أن يقدم لك الناس بقايا طعامهم؟ هل تحب أن تأتي في آخر الوقت كخيار ثانٍ؟ إذن، لماذا تفعل مع الله ما لا تحب أن يفعل معك؟ هذه هي روح البخل الروحي. إعطاء الله بقاياك، لا جوهرك.
8. هل البخيل يعرف الله؟ أم يعرف فقط خوفه منه؟
هذا هو السؤال الجوهري. هل يعرف البخيل (المادي والروحي) الله حقاً؟ “المعرفة” في الإيمان المسيحي ليست معرفة نظرية. ليست مجرد معلومات عن الله. المعرفة الحقيقية هي خبرة شخصية، علاقة حية، تحول في السلوك. البخيل قد يعرف معلومات عن الله: يعرف أنه كريم، يعرف أنه محب، يعرف أنه أعطى ابنه. لكن هذه المعرفة تبقى نظرية، جامدة، باردة. لم تتحول إلى حياة. إنها كمن يعرف أن النار تحرق لكنه لا يبتعد عنها. كمن يعرف أن السم حارق لكنه يشربه. معرفة بلا تأثير هي معرفة ميتة.
المعرفة الحقيقية بالله تنتج تشبهاً به. من يعرف الله حقاً، يحاول أن يشبهه في كرمه. من يعرف الله حقاً، يعطي كما أعطاه الله. من يعرف الله حقاً، لا يحسب العطاء خسارة، بل يعدّه ربحاً. من يعرف الله حقاً، يحضر أمامه بقلبه قبل جسده. لذلك أستطيع أن أقول بجرأة: البخيل (المادي والروحي) لا يعرف الله. يعرف عنه، لكنه لا يعرفه. يعرف اسمه، لكنه لا يعرف طبيعته. يعرف طقوس عبادته، لكنه لا يعرف قلبه. الفرق كبير بين المعرفة النظرية والمعرفة العملية. الأول كمن يقرأ عن البحر ولا يسبح فيه. والثاني كمن يغوص في الأعماق ويغيب فيها.
9. الفجوة بين الإيمان الذي يُتلى والإيمان الذي يُعاش
هذه الفجوة هي أكبر مشكلة في حياتنا الروحية. نردد آيات عن الحب، لكننا لا نحب. نردد آيات عن العطاء، لكننا لا نعطي. نردد آيات عن التضحية، لكننا لا نضحي. نردد “أبانا الذي في السموات” وأذهاننا في الأرض. نردد “ليأت ملكوتك” وقلوبنا في ملكوت الدنيا. هناك فجوة هائلة بين إيماننا النظري وإيماننا العملي. هذه الفجوة تجعلنا منافقين. نقول شيئاً ونفعل شيئاً آخر. نظهر في الكنيسة شكلاً، وفي الحياة شكلاً آخر. هذا الانفصام يقتل روحنا قبل أن يقتل سمعتنا. البخيل الذي يصلي بفمه ويبخل بحضوره هو تجسيد لهذه الفجوة.
جسده في الكنيسة، وروحه في السوق. لسانه يسبح، وقلبه في الحسابات. عيناه تدمعان من خشوع الصلاة، وعقله يخطط للصفقات. هذا هو عين الفتور الذي تحدثنا عنه في مقالات سابقة. الفاتر الذي لا بارد ولا حار، والذي يتقيؤه الرب من فمه. الفجوة بين القول والفعل هي جريمة في حق الله، لأنها تشوه صورته أمام العالم. عندما يرانا العالم نصلي ونبخل، أو نصلي ونحن مشتتون، يقولون: “ما قيمة دينهم الذي لا يغيرهم؟ ما فائدة إلههم الذي لا يحضرون معه بحضور كامل؟“
10. اختبار حقيقي: هل صلاتك تغير علاقتك بالله وبالناس؟
هناك اختبار بسيط لمعرفة إن كانت صلاتك حقيقية أم لا. انظر إلى علاقتك بالله وبالناس بعد الصلاة. هل خرجت من الكنيسة وأصبحت أكثر قرباً إلى الله؟ هل شعرت أنك التقيت به فعلاً، أم أنك أديت فقط طقساً؟ هل عاد حضور الله معك إلى بيتك، أم تركته خلف أبواب الكنيسة؟ هل تحسنت معاملتك للناس بعد الصلاة، أم بقيت كما أنت بل ازددت قسوة؟ إذا كانت صلاتك لا تقربك إلى الله، وإذا كانت لا تغير علاقتك بالآخرين، فأنت تصلي لجسد لا لروح. صلاتك باردة، ميتة، لا تصل إلى السماء لأنها لم تمر بالقلب.
الاختبار الحقيقي للإيمان ليس في الكنيسة، بل في الشارع. ليس في الصلوات، بل في المعاملات. ليس في الترانيم، بل في الحضور. القديسون الذين عرفوا الله حقاً كانوا أكرم الناس. لم يحصوا وقتهم مع الله. كانوا يعطونه أول وقتهم، وأفضل حضورهم. كانوا يصلون وكأن لا شيء في الوجود أهم من هذه اللحظة مع الله. هل تريد أن تعرف إن كنت تعرف الله؟ انظر إلى كرمك في العلاقة معه. انظر إلى سخائك في العبادة. انظر إلى حضورك في الصلاة. هذه هي مرآة معرفتك بالله، لا عدد الصلوات ولا طول السجود.
11. كيف يعالج القلب المنقسم؟ من البخل الروحي إلى الكرم الكلي
القلب المنقسم يحتاج إلى علاج. لا يمكن أن يبقى الإنسان منقسماً بين جسده وروحه، بين الكنيسة والحياة، بين الصلاة والصمت. هذا الانقسام يقتله نفسياً وروحياً. العلاج يبدأ بالاعتراف: “أنا بخيل على الله بحضوري“. نعم، هذا هو أول دواء. أن تعترف أنك تعطي الله فضلة وقتك، وأنك تصلي بجسدك وقلبك في مكان آخر. الاعتراف بالمرض نصف الشفاء. ليس عيباً أن تكون بخيلاً روحياً. العيب أن تنكر المرض ولا تبحث عن علاج. بعد الاعتراف، تأتي التوبة. التوبة ليست ندامة عابرة، بل تغيير اتجاه. أن تتحول من البخل الروحي إلى الكرم الروحي، من التشتت إلى الحضور، من الشرود إلى الانتباه.
الخطوة الثالثة هي التمرين العملي. ابدأ بأن تعطي الله أول وقتك، لا آخر وقتك. ابدأ يومك بالصلاة قبل أن تبدأ أي شيء آخر. لا تفتح هاتفك، ولا تتصفح الأخبار، ولا تفكر في العمل قبل أن تقف بين يدي الله. امنحه دقائقك الأولى، وليس بقايا يومك. هذه هي البداية. بعدها، حاول أن تكون حاضراً في صلاتك بعقلك وقلبك. لا تردد كلمات وأنت شاردة. توقف. تأمل. اشعر بأنك واقف بين يدي خالق الكون. هذا ليس مضيعة للوقت، هذا هو أعظم استثمار. دقيقة مع الله بحضور كامل تساوي أياماً من الصلاة المشتتة.
12. الخلاصة: لا معرفة بالله بلا حضور، ولا عبادة بلا كرم روحي
عدت إلى حديقتي بعد أن انتهيت من كتابة هذا المقال. نظرت إلى الزهور مرة أخرى. كانت تهمس لي: “الله كريم، فكن كريماً معه بحضورك”. نظرت إلى الشمس: كانت تهمس: “الله يعطي بلا حدود، فلماذا تحد أنت عطاءك الروحي؟“. نظرت إلى التراب: كان يهمس: “الله سخي، فكيف تبخل عليه بقلبك؟“. أغلقت باب الحديقة. خرجت لأواجه العالم. وعدت نفسي: لن أكون بخيلاً على الله بعد اليوم. سأعطيه أول وقتي، وأفضل حضور، وأصدق صلاة. لأني أريد أن أعرفه حقاً. لأن المعرفة الحقيقية بالله تبدأ حيث ينتهي البخل الروحي وتبدأ التضحية بالحضور. لا يمكن أن تدعي حب الله وأنت تصلي بجسدك فقط. لا يمكن أن تطلب لقاءه وأنت حاضر بقلبك في مكان آخر.
الخلاصة: لا معرفة بالله بلا حضور، ولا عبادة بلا كرم روحي. هذا هو القانون الوحيد في مملكة الله. من يبخل بحضوره يخسر لقاء الله، ومن يعطي الله وقته وقلبه يربح القرب الإلهي. ليس ربحاً مادياً، بل ربحاً روحياً. الكرم في العبادة يفتح قلبك لله، والبخل الروحي يغلقه. الحضور في الصلاة يوسع روحك، والتشتت يضيقها. اختر اليوم: هل تريد أن تعرف الله حقاً؟ هل تريد أن تدخل في عمق علاقتك به؟ ابدأ بأن تكون حاضراً. ابدأ بأن تعطيه أول وقتك، وليس بقاياه. ابدأ بأن تصلي بقلبك قبل لسانك. عندها فقط، ستكتشف أنك لم تكن تعرف الله من قبل. عندها فقط، ستبدأ رحلتك الحقيقية في معرفته. لأن معرفة الله ليست نظرية، بل حضور. والحضور هو نبض هذه المعرفة.
التوصيات
1. ابدأ يومك بالصلاة قبل أي شيء. لا تفتح هاتفك، ولا تتصفح الأخبار. قف بين يدي الله أولاً. هذا هو الكرم الحقيقي.
2. اختبر حضورك في الصلاة. هل أنت حاضر بقلبك أم بجسدك فقط؟ إذا كنت شار الذهن، فتوقف. لا تصلي بلا حضور. الصلاة بلا حضور إهانة لله وجرح لنفسك.
3. لا تعطي الله بقايا وقتك. خصص له أفضل أوقاتك، عندما تكون يقظاً، حاضراً، منتبهاً. الله لا يستحق بقاياك. الله يستحق جوهرك.
4. تذكر أن كل ما تملكه هو عطية من الله. وقتك، صحتك، عقلك، قلبك، كلها هبات. فكيف تبخل على الله بوقت ليس ملكك أصلاً؟
5. لا تصلي طالباً لقاء الله وأنت لا تبذل جهداً للحضور. اللقاء يحتاج إلى استعداد. حضّر قلبك قبل أن تقف بين يديه. طهر ذهنك قبل أن ترفع يديك.
6. لا تبرر تشتتك. التبرير قاتل الحضور. اعترف بضعفك، واطلب من الله قلباً حاضراً. القلب الجديد هو أعظم عطية يمكن أن تطلبها.
7. تذكر دائماً: ساعة بحضور كامل مع الله تساوي عند الله أكثر من آلاف الساعات المشتتة. الجودة قبل الكمية. هذا هو الكرم الروحي الحقيقي.

الخاتمة
عدت إلى حديقتي مرة أخرى. نظرت إلى الورود التي كنت أسقيها. كانت تتفتح أكثر. همست لها: “شكراً لكِ على درس الكرم الروحي“. نظرت إلى الشمس: “شكراً لكِ على درس العطاء بلا حدود“. نظرت إلى التراب: “شكراً لكَ على درس التواضع والحضور“. ثم رفعت رأسي إلى السماء وقلت: “يا رب، سامحني على بخلي الروحي. سامحني لأنني كنت أعطيك بقايا وقتي، وأحضر إليك بجسدي وقلبي في مكان آخر. لم أكن أعرفك حقاً. ظننت أن الصلاة باللسان تكفي، والطقوس بالجسد تغني.
لكني اكتشفت أن معرفتك تبدأ حيث ينتهي تشتتي ويبدأ حضوري. هب لي قلباً حاضراً. هب لي روحاً تصلي بحضور كامل. هب لي أن أعطيك أول وقتي، لا بقاياه. هب لي أن ألقاك حقاً في صلاتي، لا أن أؤدي طقساً. لأني لا أريد أن أعرف عنك فقط. أريد أن أعرفك أنت. وأريد أن تعرفني أنا. آمين.“
مواضيع ذات صلة
- هل البخيل يعرف الله؟ حين يصلي الجسد وتنام الروح
- كيف صار التواضع ضعفاً في عالم يعبد القوة والغرور والمال؟
- الشر سيد هذا العالم: كيف يسيطر على الإنسان دون أن يدري
- الفاترون الذين يتقيؤهم الرب من فمه: خطر الإيمان بلا حرارة
- لا أخاف شراً: الجملة المستحيلة في زمن يغلي بالشر
رحلة مغترب من قسوة البشر الى الوطن الحقيقي
- روح الرب أم روح الغابة؟! حين يكون المسيحي أقسى من الملحد
- رحلتي مع الأقلية الطيبة في صحراء قاحلة واحاتها لا تموت
الوطن الذي تحول إلى مسرح كبير للتمثيل على الله والناس جميعًا







