الفاترون الذين يتقيؤهم الرب من فمه: خطر الإيمان بلا حرارة


الفاترون الذين يتقيؤهم الرب: خطر الإيمان بلا حرارة

المقدمة

تنبيه: لا تقرأ هذه الكلمات وأنت مشغول البال أو سريع الخطى. اجلس، اصمت، تنفس، ثم افتح قلبك. هذا المقال ليس للنظرة العابرة، بل للغوص في الأعماق. كن مستعداً، أو لا تبدأ.

قرأت ذات يوم في سفر الرؤيا جملة توقفت عندها طويلاً، بل أرعبتني: “لأنك فاتر، لا بارد ولا حار، أنا مزمع أن أتقيأك من فمي“. ليست جملة عابرة في كتاب مقدس. إنها صفعة على وجه كل من يظن أن الوسطية في كل شيء هي الحكمة المطلقة. الرب لا يطلب منا أن نكون “معتدلين” بين الخير والشر. لا يرضى بمن يقف في المنتصف، يضع قدماً هنا وأخرى هناك، يضحك مع الجميع ويبكي مع لا أحد، يقول “أنا معك” ثم يختفي عند أول عاصفة.

هذه الظاهرة المنتشرة التي رأيتها بأم عيني في السنوات الأخيرة بعد عودتي إلى وطني جعلتني أراجع حياتي كلها. هل كنت فاتراً؟ هل ما زلت؟ وكيف أعرف أنني لست منهم؟ اكتشفت أن الفتور ليس مجرد سلوك، إنه مرض عضال يقتل الروح قبل أن يقتل الجسد، وهذا المرض يزداد شراسة في المجتمعات التي تتكسر فيها القيم وتتلاشى فيها الحدود بين الصحيح والخاطئ.

الفاترون الذين يتقيؤهم الرب من فمه: خطر الإيمان بلا حرارة
الفاترون الذين يتقيؤهم الرب من فمه: خطر الإيمان بلا حرارة

1. الفاتر: مخلوق لا هذا ولا ذاك

الفاتر هو ذلك الكائن العجيب الذي لا يستطيع أحد أن يحدد موقفه. هو ليس مع الله فيُعرف، لأنه لا يصلي ولا يصوم ولا يهتم. لكنه أيضاً ليس ضد الله فيُحارب، لأنه لا يجرؤ على إنكار وجوده علناً. هو مسيحي في الهوية فقط، في وثائق الأحوال المدنية، في المناسبات الاجتماعية. مسيحي بالأمس، ملحد اليوم، ومتدرب على التمثيل طوال الأسبوع. يملأ الكنيسة يوم الأحد، ويغيب عن قلبها بقية الأيام. يتناول الأسرار المقدسة، ويعود ليغتاب جاره قبل أن يصل إلى بيته. هذا التناقض هو ما يجعله أخطر من الكافر الواضح. لأن الكافر تعرف أين تقف منه. أما الفاتر، فتدخل معه في علاقة ثم تفاجأ أنه ليس هناك. هو سراب في صحراء الإيمان، يظنه العطشان ماء، فإذا أتاه لم يجده شيئاً.

لقد رأيت هذا المشهد يتكرر أمامي بطرق مختلفة. أناس يبدون في الظاهر ناجحين، متدينين، محبوبين. لكن عندما تتعمق قليلاً، تكتشف أن كل شيء وهم. لا عمق في علاقتهم مع الله، لا صدق في تعاملهم مع الناس، لا نار في عبادتهم. هم مجرد واجهات جميلة خلفها خراب. تأملت حياتي في لحظة صدق، فوجدت أن الفاتر ليس غريباً عني. لقد كنت فاتراً في مراحل كثيرة، لا بارداً ولا حاراً. أصلي لأني اعتدت على الصلاة، لا لأن قلبي ينبض بها. أذهب إلى الكنيسة لأن العادة تدفعني، لا لأن روحي تشتاق. أقول “أنا مؤمن” لأن هذا ما تربيت عليه، لا لأن إيماني يحرك ساكناً في داخلي. كنت أظن أن هذا يكفي. كنت أظن أن الله سيقبل مني هذه الفتات. لكن الجملة التي قرأتها دمرت هذا الوهم تماماً.

2. الحار والبارد والفاتر

الحار قد يخطئ، لكنه يتوب. الحار قد يقع، لكنه يقوم. الحار قد يبتعد، لكنه يعود. الحار يحترق من الداخل، لا يستطيع أن يتظاهر، لا يستطيع أن يكذب على نفسه. حرارته قد تكون مزعجة أحياناً، للآخرين ولنفسه، لكنها نابضة بالحياة. الحار يثير المشاكل أحياناً، لا لأنه يحب المشاكل، بل لأنه لا يستطيع السكوت على الباطل. أما البارد، فهو لا يدعي شيئاً. يقول: “أنا لا أؤمن، لا تنتظر مني شيئاً“. هذا البارد تعرف أين تقف منه. لا تطلب منه أن يصلي، لا تنتظر منه موقفاً إيمانياً. هو صريح معك ومع نفسه. مشكلته واضحة ومعروفة. البارد قد يكون أسهل في التعامل من الفاتر، لأنك تعرف قواعده.

أما الفاتر، فهو أخطر الجميع. لأنه يدعي الإيمان ولا يمارسه. يقول “أنا أحب الرب” وقلبه في مكان آخر. يرفع يديه في الصلاة وعقله في السوق. يعطي الله فتات وقته، لا زبدة حياته. الفاتر هو الذي يأخذ مقعداً في الكنيسة ولا يعطي الرب مقعداً في قلبه. هو الذي يرتل بأجمل صوت، ثم يخرج ليشتم أقرب الناس إليه. الفاتر هو الذي يتناول الأسرار بفمه، ويخون الأمانة بيده. هو الذي يقف في الصف الأمامي في المظاهرات الدينية، لكنه غائب عن أول صف في معركة الحق. هذا هو الذي قال عنه الرب: “لا بارد ولا حار“. لا هو معي فيعرفني الناس به، ولا هو ضدي فيحاربوني لأجله. هو شيء في المنتصف، شيء لا طعم له، لا لون له، لا قيمة له.

3. ابتسامة تخفي خنجراً

الفاتر محترف في فن ازدواجية الوجه. أمامك، هو صديقك المخلص، أخوك الحنون، قريبك الذي لا تخاف منه. يبتسم لك ابتسامة عريضة، يصافحك بحرارة، يسأل عن أحوالك بتفصيل. تشعر معه بالأمان، تظن أن هذا هو الإنسان الذي يمكنك أن تثق به. يبذل وعوداً كثيرة، يقطر حباً وعاطفة، تجعله يقترب من قلبك. ثم تدير ظهرك. عندها يحدث ما لا تتوقعه. يبتسم في وجهك ويطعنك من الخلف بسكين مسموم. لا يطعنك مرة واحدة، بل يطعنك يومياً، كلمة هنا، إشارة هناك، نظرة معناها “لا تثق بي كثيراً“.

عشت هذا كثيراً في السنوات التي تلت عودتي. أناس كانوا يبتسمون في وجهي بصدق ظاهري، وكنت أصدقهم. كنت أظن أن الابتسامة دليل على المحبة. لكني اكتشفت أن الابتسامة عند الفاتر لا تعني شيئاً. هي قناع يخلعه متى شاء. خلف القناع، وجه آخر لا تعرفه، لا تريد أن تعرفه. الفاتر ليس شريراً بالضرورة، لكنه خائف. خائف أن يظهر حقيقته، خائف أن يخسر من حوله، خائف أن يكون وحيداً. فيختبئ خلف الابتسامة الزائفة، خلف الكلمة المعسولة، خلف الوعد الذي لا ينوي الوفاء به. وهؤلاء هم الأخطر. لأنك لا تعرف متى ينقلبون عليك. هم معك اليوم، قد يكونون ضدك غداً. وكل ذلك بابتسامة عريضة لا تفارق وجوههم.

4. وعود كالسراب تختفي مع أول عاصفة

الفاتر كريم في الوعود، بخيل في التنفيذ. يبذل الوعود كالحلوى في الأعياد. يقول “أنا معك في السراء والضراء“، يقول “لن أتركك أبداً“، يقول “أنت أخي وأنا أخوك“. يتفنن في صياغة الوعود بأجمل العبارات، يجعل من نفسه بطلاً خارقاً في الخيال. تستريح لكلماته، تظن أنك وجدت صندوق أمان في زمن الخيانات. تعيش على وهم أن هناك من يحبك فعلاً، أن هناك من يقف معك فعلاً. ثم تأتي العاصفة. تحل بك شدة، تمرض، تفلس، تحتاج إلى من يقف بجانبك. تبحث عنه فلا تجده. تبحث في كل مكان. تتصل، لا يرد. تمر من بيته، ليس هناك. يختفي كالسراب في الصحراء، كالدخان في الهواء.

هذا هو الفاتر. وعوده كأوراق الخريف، تتطاير مع أول ريح. لا يحمل المسؤولية، لا يتحمل تبعات كلماته. يقول “أنا معك” لأنه يشعر بالحرج أن يقول غير ذلك. لكنه في داخله لا يريد أن يكون مع أحد. يريد أن يكون وحيداً بأمان، وحيداً دون مسؤوليات، وحيداً دون التزامات. في وقت الشدة تبحث عنه فلا تجده، ليس لأنه مات أو سافر، بل لأنه اختفى عن عمد. اختفاء الفاتر ليس صدفة، اختفاءه هو طبيعته الحقيقية. هو من النوع الذي لا يحب أن يتحمل، لا يحب أن يتعب، لا يحب أن يبذل. يريد أن يأخذ ولا يعطي، أن يستلم ولا يسلم، أن يكون موجوداً في أوقات الرخاء ومختفياً في أوقات البلاء. وهذه هي كارثة الفاتر الكبرى.

5. يعرف الحقيقة ويتجاهلها بذكاء

الفاتر ليس جاهلاً. لا تظن أن الفاتر لا يعرف الحق من الباطل. بالعكس، الفاتر يعرف كل شيء. يعرف أن الصدق خير من الكذب، لكنه يكذب. يعرف أن الأمانة خير من الخيانة، لكنه يخون. يعرف أن المحبة هي الوصية الكبرى، لكنه يبغض في الخفاء. يعرف أن الغيبة حرام، لكنه يغتاب. يعرف أن الظلم خطيئة، لكنه يظلم إذا ضمن النجاة. الفاتر يعرف الحقيقة، لكنه يتجاهلها بذكاء فطري. يتظاهر بالنسيان، يتظاهر بعدم الفهم، يتظاهر بأن الظروف أقوى منه. يتجاهل عمداً، لأنه لا يريد أن يتحمل تكلفة الحق. تكلفة الحق باهظة، وقد تكلفه راحته، سمعته، وظيفته، علاقاته. وهو ليس مستعداً لدفع هذا الثمن.

هذا التجاهل المتعمد هو قمة الجبن الأخلاقي. لأنك حين تجهل، أنت ضعيف. لكن حين تعرف وتتجاهل، أنت جبان. والجبن ليس مجرد خطيئة، الجبن هو أم الخطايا كلها. من يعرف الحقيقة ويتجاهلها يصبح أخطر من من لا يعرفها أصلاً. لأنه يملك المفتاح ويترك الباب مغلقاً. يملك الدواء ويرفض أن يتداوى. يملك الحبل ولا يمد يده للغريق. هذا هو عين ما حذرنا منه الكتاب المقدس: “من يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل، فذلك خطيئة له“. الفاتر ليس خاطئاً بالجهل، بل خاطئ بالعمد. وهذا أشد أنواع الخطيئة. لأن الجاهل يمكن تعليمه، أما المتجاهل فيحتاج إلى صدمة قبل أن يتغير.

6. ميزان معوج: للآخرين قسوة ولنفسه تساهل

الفاتر يمتلك ميزاناً عجيباً، ميزاناً معوجاً لا يشبه أي ميزان عرفته. للآخرين، الميزان دقيق جداً، بل دقيق إلى حد القسوة. كل خطأ يرتكبه الآخرون، مهما كان صغيراً، يقيسه بأعلى المعايير. كل زلة، كل كلمة، كل نظرة، يسجلها في سجله الأسود. لا يغفر هفوة، لا يتجاوز عن زلة. يحكم على الآخرين بقسوة لا ترحم. ينتقدهم علناً وفي الخفاء. يشير بأصابع الاتهام نحو كل من يخطئ. تجده أول من يتكلم عن خطايا الناس، وأسرع من ينتقد تصرفاتهم. يبدو أحياناً كقديس لا يخطئ، وكقاضٍ لا يظلم.

أما لنفسه، فالميزان مختلف تماماً. لنفسه، كل شيء مسموح. كل خطأ يجد له عذراً، كل زلة يجد لها مبرراً، كل خيانة يجد لها تفسيراً. هو مع الآخرين قاضٍ جبار، ومع نفسه محامٍ بارع. هذا الازدواج في المعايير يفسد المجتمع كله. لأنه يخلق ثقافة النفاق، حيث الجميع يخشى أن يُحكم عليه، فيرتدون أقنعة، ويخفون عيوبهم، ويسارعون إلى اتهام غيرهم ليبرروا أنفسهم. الفاتر بهذا السلوك يسمم العلاقات الإنسانية. يزرع الشك، ويغذي الكراهية، ويقتل الثقة. هو أخطر من عدو صريح، لأن عدوك الصريح تحاربه وتكشفه وتتجنبه. أما الفاتر، فيقف بجانبك ويحكم عليك من خلف ظهرك، ولا تدري متى سينقلب.

7. جسد في الكنيسة وروح في السوق

أكثر المشاهد إيلاماً رأيتها بعد عودتي هو مشاهدة الفاتر في العبادة. يقف في الكنيسة، يرفع يديه إلى السماء بخشوع. عيناه مغمضتان، شفتاه تتحركان، جسده كله في حالة تعبد. يبدو من بعيد كقديس، كراهب، كناسك. يبكي في بعض الأحيان دموعاً صناعية، ينخرط في الترانيم بصوت مرتفع، يجذب انتباه من حوله بخشوعه الظاهري. لكن لو اقتربت منه قليلاً، لو استطعت أن تسمع ما يدور في قلبه، لسمعت أصواتاً مختلفة تماماً. في قلبه، لا صلوات، بل حسابات. لا خشوع، بل صفقات. لا تضرع، بل خطط لمكاسب الأسبوع القادم.

هذا هو الفاتر في العبادة. جسده في مكان، وروحه في مكان آخر. يردد الصلوات بشكل آلي، كجهاز تسجيل لا أكثر. لا حياة في صلاته، لا نار، لا بكاء حقيقي، لا صراخ، لا اشتياق. هي حركات لسانية فقط، لا تصل إلى السماء، لأنها لم تمر بالقلب أصلاً. صلاته باردة كالثلج، لا تدفئ أحداً، ولا تحرك شيئاً. المسيح حذرنا من هذا النفاق بعينه: “هذا الشعب يكرمني بشفاههم، أما قلوبهم فبعيدة عني“. الفاتر في العبادة هو تجسيد لهذه الآية. يكرمني بشفتيه، لكن قلبه في السوق. يسبحني بفمه، لكن روحه في متاهات الدنيا. هذا الانفصال بين الجسد والروح، بين الظاهر والباطن، هو جوهر الفتور.

الفاترون الذين يتقيؤهم الرب من فمه: خطر الإيمان بلا حرارة
الفاترون الذين يتقيؤهم الرب من فمه: خطر الإيمان بلا حرارة

8. صلاة باردة لا تصل إلى السماء

لاحظت ذات مرة بعد عودتي الى وطني ظاهرة غريبة. كان الناس يصلون بصوت عالٍ، يسبحون بخشوع، يدعون بحرارة. لكن في عيونهم، لم أرَ شيئاً. عيون زجاجية، بلا دمعة، بلا حرارة، بلا شوق. كانوا يصلون لأن العادة تطلب ذلك، لأن المكان يقتضي ذلك، لأن الناس حولهم يفعلون ذلك. لم يكونوا يصلون لأن قلوبهم اشتاقت إلى الرب، أو لأنهم شعروا بحاجته الماسة. كانوا يؤدون حركة تلقائية، كمن يفرك عينيه في الصباح أو يشرب كوب ماء دون إحساس. لا صلة بين ما ينطقون به وما يشعرون به. لا انسجام بين ما يطلبونه وما يعيشونه.

هذا هو الفاتر في صلاته. يتلو الصلوات بفمه وليس بروحه. لا صلة بين كلماته ومشاعره. لا انسجام بين ما ينطق به وما يعيشه. هو منفصل عن نفسه، منفصل عن صلاته، منفصل عن ربه. هذه الصلاة الميتة هي كارثة حقيقية. لأنها تعطي الإنسان وهماً بأنه على علاقة بالله، بينما العلاقة ميتة منذ زمن. الفاتر يصلي كي يريح ضميره، لا كي يلتقي بربه. ينهي صلاته ويشعر بالارتياح، وكأنه أدى واجباً نحو إله لا يهتم به حقاً. هذه الصلاة لا ترفع إلى السماء، بل تسقط على الأرض كحجر ثقيل. إنها تستهلك وقتاً ولا تنتج روحاً. تملأ الفم ولا تملأ القلب.

9. فتات الوقت لرب الكون

راقب حياة الفاتر يوماً واحداً، وسترى كيف يقسم وقته. الوقت للعمل: ساعات طويلة جداً. الوقت للترفيه: ساعات متوسطة. الوقت للعائلة: دقائق قليلة. الوقت للرب: فتات، دقائق معدودة في الأسبوع، ربما يوم الأحد فقط إن تذكر. هذا التقسيم يفضح أولوياته الحقيقية. الفاتر يعطي الله ما تبقى، لا ما هو أفضل. يعطيه ما لا يحتاجه، لا ما هو أثمن عنده. يعطيه بقايا يومه، لا زبدة حياته. نادراً ما تجده يبكي في صلاته، نادراً ما تجده يقطع نومه لأجلها، نادراً ما تجده يقدم تضحية من أجل إيمانه.

هذا السلوك يثير سؤالاً صامداً: هل يستحق الله كل هذا التجاهل؟ هل الخالق الذي خلق الكون كله يستحق فقط فتات وقتنا؟ هل الذي مات على الصليب من أجلنا لا يستحق أكثر من بضع دقائق في الأسبوع؟ الفاتر لا يجيب على هذه الأسئلة، بل يتجاهلها. لا يريد أن يواجهها، لأنه يعرف أن الإجابة ستزعجه. يفضل أن يعيش في وهم أنه مسيحي جيد، بينما هو بعيد كل البعد عن جوهر المسيحية. جوهر المسيحية ليس دقائق في الكنيسة، بل حياة كاملة تعاش في حضرة الله. ليس شعارات ترفع، بل دمعة تسقط. ليس طقوساً تؤدى، بل روح تنبض.

10. العدو تخشاه.. والفاتر تنام بجانبه

العدو الصريح واضح المعالم. تعرف وجهه، تعرف صوته، تعرف خططه. تحاربه، تحذره، تتصدى له. تستعد لمواجهته، تخطط لهزيمته. مع العدو الصريح، لا مفاجآت. تعرف أين تقف منه، وتعرف ماذا تتوقع منه. العدو قد يكون عنيفاً، قد يكون خطيراً، لكنه معروف. لا تخلط بينه وبين الصديق. لا تنام بجانبه مطمئناً.

أما الفاتر، فالأمر مختلف تماماً. الفاتر معك تارة، وضدك تارة أخرى. لا تعرف متى يكون معك ولا متى يكون ضدك. تنام بجانبه وتظنه صديقاً، فتستيقظ لتجده عدواً. تشاركه أسرارك وتظنه أميناً، فتفاجأ أنها أصبحت حديث المجالس. تسأل عنه في محنتك فلا تجده حاضراً. الفاتر في بيتك، في عملك، في كنيستك، حتى في عائلتك. هو ليس عدواً واضحاً، هو سم زعاف بطيء المفعول. لا يقتلك سريعاً، بل يقتلك يوماً بعد يوم. وهذه المفاجآت الدائمة تجعله أقسى من أي عدو. مع العدو، أنت في حالة تأهب دائم. مع الفاتر، أنت مسترخٍ، ظاناً أنك في أمان. وهذا الاسترخاء هو الفخ الذي يوقع الضحايا.

11. سم زعاف في جسد المجتمع

في وطني الذي عدت إليه وجدت مجتمع مليء بالفاترين إنه مجتمع فاسد داخلياً، حتى لو بدا من الخارج قوياً ومنظماً. الفساد لا يأتي دائماً من أشرار معلنين، من خونة واضحين، من أعداء صريحين. الفساد يأتي أحياناً من أناس يعرفون الحق ويتجاهلونه. من أناس لديهم الضمير لكنهم لا يستخدمونه. من أناس يرون الشر ويسكتون عنه. هذا التآكل البطيء يقضي على المجتمعات من الداخل. كما يأكل السوس الخشب من الداخل حتى ينهار فجأة، هكذا الفاترون. هم لا يهدمون المجتمع بقنابل، يهدمونه باللامبالاة. لا يفسدونه بالشر الصريح، يفسدونه بتجاهل الخير.

الفاتر في المجتمع كالدودة في التفاحة. التفاحة قد تبدو من الخارج سليمة، جميلة، شهية. لكن الدودة تأكلها من الداخل ببطء، حتى تسقط فجأة فارغة. كذلك الفاتر. لا يهدم المجتمع بقنبلة، يهدمه باللامبالاة. لا يفسده بالشر الصريح، يفسده بتجاهل الخير. قتل الأمل أحياناً يتم بالصمت، وليس بالكلمات. هدم القيم أحياناً يتم بالتقاعس، وليس بالهجوم. الفاتر هو الذي يرى الظلم ويمر كأنه لم ير. يرى باب غرفة أمه العجوز طريحة الفراش ويمر دون حتى أن يسلم عليها، وهي التي اخرجته من احشاءها إلى الحياة! يرى الفساد ويتثاءب. يرى الكذب ويسكت. هذا الصمت هو الجريمة الحقيقية. هذا التقاعس هو سبب انهيار الأمم. لأن الشر لا ينتصر بشروره فقط، بل ينتصر بصمت الأخيار الفاترين.

12. لحظة الصدمة حين رأيت وجهي في المرآة

أعترف الآن بشيء لم أقله لأحد قبلكم. كنت فاتراً. نعم، أنا الذي أتحدث إليكم الآن، الذي يفضح الفتور في الآخرين، كنت في مرحلة من حياتي فاتراً. أرائي، صلواتي الباردة، وعودي الكاذبة. كنت أظن أنني مؤمن جيد لأنني أصلي وأصوم وأذهب إلى الكنيسة. لكني كنت أجهل أن كل هذا بلا روح، بلا نار، بلا حياة. كانت علاقتي مع الله علاقة عادة، لا علاقة حب. كانت صلواتي ألفاظاً متكررة، لا حواراً مع الحي. كانت عبادتي حركات جسدية، لا سجود روح.

لحظة اكتشاف هذه الحقيقة كانت أقسى من أي صدمة عرفتها في حياتي. لأنك حين تكتشف أن كنت عدواً لنفسك، هذا أصعب من أن يخونك الآخرون. عدوي الخارجي أعرف كيف أواجهه. أما عدوي الداخلي، فكيف أهزمه؟ عدوي الخارجي أستطيع الهروب منه. أما عدوي الداخلي، ففي داخلي أنا، لا أستطيع الهروب من نفسي. هذه اللحظة المؤلمة جعلتني أصرخ من الأعماق: “يارب، كم من الوقت كنت فاتراً؟ كم من السنوات أهدرتها في المنطقة الرمادية؟ كم من الصلوات رفعتها ولم تصل إليك لأنها لم تمر بقلبي؟” كانت صرخة توبة، صرخة رجوع، صرخة ألم وصرخة أمل في آن معاً. صرخة بداية حياة جديدة، لا نهاية الطريق.

13. الفتور مرض مكتسب.. والخلاص ممكن

لا يولد الطفل فاتراً. شاهد طفلاً صغيراً، سترى أنه إما صادق أو كاذب، لكنه لا يمثل. الطفل إما يحب أو يكره، لكنه لا يتظاهر. الطفل إما معك أو ضدك، لكنه لا يقف في المنتصف. لا تجد طفلاً يقول شيئاً ويعتقد شيئاً آخر، إلا إذا تعلم ذلك من الكبار. الفتور يأتي بالتدريج. لا يطرق الباب فجأة، بل يتسلل كالضباب. يبدأ بتنازلات صغيرة: “مرة واحدة لا تضر“، “الجميع يفعل ذلك“، “الظروف صعبة“. هذه التنازلات تتكاثر حتى تصبح عادة، والعادة تصبح طبعاً، والطبع يصبح سجناً. الفتور يأتي من الأمان الزائف، من الخوف من المواجهة، من الرغبة في إرضاء الجميع.

الفاتر تعلم الفتور، لم يولد به. وهذا الخبر هو الخبر السار. لأن ما يمكن تعلمه، يمكن تعلم عكسه. ما اكتسبناه بالتدريج، يمكن أن نتخلص منه بالتدريج. كيف نحمي أنفسنا من اكتساب الفتور؟ بالصدق الدائم مع الذات. بمواجهة النفس قبل مواجهة الآخرين. بعدم التبرير لكل خطأ. بممارسة الحرارة في الصلاة والخدمة والعلاقات. الفتور ليس حكماً بالإعدام، الفتور هو مرض يمكن علاجه. والعلاج يبدأ بالاعتراف: “أنا فاتر، وأريد أن أتغير“. يبدأ بقرار جريء بترك المنطقة الرمادية، بدخول منطقة النار أو البرودة، لكن عدم البقاء في اللا شيء. يبدأ بخطوة صغيرة لكنها صادقة. يبدأ بصلاة حارة ولو كانت قصيرة، أفضل من صلاة باردة طويلة.

14. من الفتور إلى الحرارة: الطريق الجبلي إلى القمة

الخلاص ممكن. الفاتر يمكن أن يصبح حاراً. لا يوجد أحد محكوم عليه بالفتور إلى الأبد. لا يوجد باب مغلق دون رجعة. كما عاد الابن الضال إلى حضن أبيه، كما عاد بطرس إلى الرعاية بعد أن أنكر، كما عاد داود إلى النبوة بعد أن سقط، هكذا يمكن للفاتر أن يعود إلى النار. لكن الطريق ليس سهلاً أبداً. ليس طريقاً معبداً بالورود، بل طريق جبلي صعب ومتعرج. فيه الحفر والمطبات، وفيه النزلات والطلعات، وفيه الأودية والعلوات، وفيه ما هو غير متوقع. الطريق إلى قلب الرب ليس إسفلتاً ناعماً، بل هو صخور وأشواك. لكن الجميل أن نهايته القمة.

الطريق إلى الحرارة:

أول خطوة: الصدق مع الذات. اعترف أنك فاتر، لا تبرر، لا تلوم الظروف، لا تنتظر معجزة.

ثانياً: التوبة النصوح. اترك الفتور كالسم، اتركه وراء ظهرك، لا تلتفت إليه.

ثالثاً: قرار جريء. قرر أن تكون حاراً ولو أخطأت. لأن الخطأ خير من الرياء، والحرارة ولو قاسية خير من البرودة الجامدة.

رابعاً: ابدأ بخطوات صغيرة. صلاة قصيرة لكنها من القلب، خدمة بسيطة لكنها صادقة، علاقة متواضعة لكنها حقيقية مع الله.

خامساً: اصبر على الطريق الجبلي. لن يكون سهلاً، ستسقط، ستتعب، ستريد الاستسلام. لكن تذكر أن هدفك القمة. عندما يكون هدفك دائماً القمة، ستحاول بكل الطرق أن لا تسقط في الهوة أو الوادي، وتستمر في الصعود.

لا تيأس إذا سقطت. العودة إلى الحرارة ليست رحلة خط مستقيم، قد تكون متعرجة. لكن المهم أن الاتجاه صحيح. ابدأ اليوم. الآن. لا تؤجل. لأن الفاتر الذي يتقيأه الرب ليس له ضمان بالغد.

الفاترون الذين يتقيؤهم الرب من فمه: خطر الإيمان بلا حرارة
الفاترون الذين يتقيؤهم الرب من فمه: خطر الإيمان بلا حرارة

التوصيات

أولاً: افحص نفسك الآن، في هذه اللحظة، ولا تؤجل. هل أنت حار، بارد، أم فاتر؟ لا تغش في الإجابة. الإجابة لنفسك قبل أن تكون لله.

ثانياً: لا تخف من أن تكون حاراً حتى لو أخطأت. الخطأ خير من الرياء. السقوط خير من الوقوف في المنطقة الرمادية التي لا ترضي الله.

ثالثاً: توقف عن الادعاء. كن صادقاً مع نفسك قبل الآخرين. لا تلبس أقنعة. الوجه الحقيقي ولو كان قبيحاً، أفضل من القناع الجميل الذي يخفي جثة ميتة.

رابعاً: اترك المنطقة الرمادية. الحياة الحقيقية لا تعرف اللون الرمادي. إما أبيض أو أسود. إما مع الله أو ضده. إما مؤمن حار أو كافر صريح. المنتصف ليس موجوداً في قاموس السماء.

خامساً: إذا كنت فاتراً، اعترف، تب، وعد. الباب لا يزال مفتوحاً. الراعي لا يزال يبحث عن الخروف الضال. لكن لا تؤجل، فالغد ليس مضموناً لأحد.

سادساً: لا تحكم على الآخرين بمعايير لا تنطبق على نفسك. انظر إلى نفسك أولاً قبل أن تتهم غيرك بالفتور. ربما تكون أنت الفاتر الذي يحتاج إلى علاج قبل أن تنظر إلى جروح غيرك.

سابعاً: تذكر دائماً: الرب لا يتقيأ إلا الطعام الفاسد، الفاتر هو الطعام الفاسد. كن طعاماً شهياً للرب، طعاماً حاراً يشتهيه، لا طعاماً باردة ولا فاتراً يتقيأه.

ثامناً: الطريق إلى القمة صعب، لكن القمة تستحق التعب. كل خطوة تخطوها نحو الحرارة تقربك من قلب الرب. لا تنظر إلى أسفل، انظر إلى الأعلى. الغيمة تناديك.

الخاتمة

الآن، وأنا أغلق هذه الصفحة في صباح مشرق وأنظر الى الأفق البعيد، أعود إلى الجملة التي أرعبتني في سفر الرؤيا: “لأنك فاتر، لا بارد ولا حار، أنا مزمع أن أتقيأك من فمي“. لم تعد ترعبني كما كانت. لأنني لم أعد فاتراً. اخترت أن أكون حاراً. نعم، حرارتي قد تؤلمني أحياناً، وقد تؤذي الآخرين أحياناً، لكنها نابضة بالحياة. اختيار الحرارة كان صعباً. يعني أن أكون صادقاً في زمن النفاق، أن أكون حاضراً في زمن التخلي، أن أكون مع الله في زمن لا أحد يعيره اهتماماً.

لكن الحرارة خير من البرودة. والبرودة ولو كانت قاسية، خير من الفتور. لأن الفاتر هو الوحيد الذي لا مكان له. ليس له مكان في السماء لأنه ليس مع الله، وليس له مكان على الأرض لأنه ليس مع الناس. هو معلق في الفراغ، في لا مكان، في لا شيء. الطريق إلى قلب الرب ليس سهلاً، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق العناء. طريق جبلي صعب ومتعرج، لكن نهايته قمة. وعندما تصل إلى القمة، سترى أن كل الألم كان يستحق.

أتركك الآن مع هذا السؤال الذي لا مفر منه: أين أنت؟ حار؟ بارد؟ أم فاتر؟ لأن الرب لا يبحث عن مثاليين، يبحث عن صادقين. لا يبحث عن قديسين، يبحث عن تائبين. يريد قلباً نارياً ولو كان خاطئاً، لا قلباً فاتراً ولو كان نظيفاً ظاهرياً. اختر اليوم. اختر القمة. اختر الحرارة. اختر الحياة.

مواضيع ذات صلة

downloadsoft.net

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *